الخميس، ديسمبر 07، 2017

مُعَكِّر صَفْوِ الأُنْس في سيرة سَلْب القُدْس

حذر قادة العرب جميعا من تداعيات قرار ترامب على السلام والاستقرار في المنطقة. في الحقيقة لم يكن تحذيرهم هذا فارغا، إنما كان تحذيرا جادا، فهم يخافون من أن يؤدي القرار إلى هبة شعبية ضدهم تقلقل استقرار عروشهم. وهم يعرفون كما يعرف ترامب ونتنياهو أن عروشهم هي التي تحفظ أمن واستقرار إسرائيل. فهم على الحقيقة يقدمون نصيحة مخلص مشفق بأن تلك القرارات قد تكون من الرعونة بحيث تهدد منظومة الحراسة التي تسهر على حماية إسرائيل.

يعرف ترامب ونتنياهو هذا لكن حسبة الأمور لديهم تفيد أنهم في لحظة يمكنهم معها اتخاذ مثل هذا القرار دون كبير خوف، فما جرى في السنوات الماضية من قمع الثورات وتثبيت الأنظمة الخيانية يجعل الثمرة قريبة وممكنة، كيف لا وقد صار رئيس مصر "البطل القومي لليهود" كما وصفته الصحافة الإسرائيلية، وكيف لا وقد كتب سعودي من بلاد الحرمين "لك العتبى يا نتنياهو حتى ترضى" ضمن طوفان التطبيع المحموم الذي يجتاح أرض الحرمين؟!

هو فصل جديد في مسلسل قديم..

بدأ المسلسل مع نهاية الحروب الصليبية، حيث اكتشف الصليبيون منذ الحملة الخامسة أن احتلال بيت المقدس يبدأ باحتلال القاهرة، فلقد اكتشفوا أن مصر قادرة دائما على إمداد الشام بالمال والرجال، ومنذ اتحدت مصر والشام على يد نور الدين صارت مسألة تحرير بيت المقدس مسألة وقت. وبالفعل: نزلت الحملة الصليبية الخامسة إلى مصر فهُزِمت، ودخلت الحملة السادسة إلى القدس باتفاقية خيانية مع سلطان مصر الكامل الأيوبي (تشبه كامب ديفيد وأوسلو الآن) وتكسرت الحملة السابعة في مصر أيضا. ثم انطلقت من مصر جيوش المماليك حتى طهرت الساحل الشامي من كل الوجود الصليبي، ثم طاردت فلول الصليبيين في قبرص ورودس.

عندئذ كلفت الكنيسة المؤرخ الإيطالي مارينو ساوندو تورسيللو ليؤرخ للحملات الصليبية، فكتب في نهاية تأخيره وصية لمن سيحاول غزو الشرق مرة أخرى خلاصتها: أن يبدأ بمصر أولا، وهي النصيحة التي استمعت لها أوروبا فكانت موجتها الثانية من الحملات الصليبية تبدأ بمصر ثم تتوغل إلى بيت المقدس، هكذا فعل نابليون في الحملة الفرنسية، وهكذا فعل الإنجليز من بعده[1].. وبعد خمس وثلاثين سنة من احتلال القاهرة دخل الإنجليز إلى بيت المقدس، ثم بعد ثلاثين عاما أخرى سلموها إلى إسرائيل.

فهم التاريخ هو مفتاح فهمنا للحاضر وطريق بحثنا عن الحل في المستقبل، والتاريخ يقول بأن احتلال بيت المقدس لم ينجح إلا باحتلال العواصم المحيطة به أولا، كما أن تحريره لم يكن إلا بتحرير العواصم المحيطة به كذلك، لقد فتح المسلمون دمشق قبل فتح بيت المقدس، ولولا الخيانة العبيدية (الفاطمية) في القاهرة ما أمكن للصليبيين احتلال بيت المقدس، ثم لولا تحرير دمشق ثم القاهرة وتحريرهما من أمراء الخيانة ما تم لصلاح الدين تحرير بيت المقدس، ولم يُحرر الساحل الشامي إلا لما كانت القاهرة مستقلة متحررة تحت حكم المماليك العظام، ثم لم تسقط القدس مرة أخرى إلا بعد احتلال القاهرة ودمشق وانهيار الدولة العثمانية.

ولقد كانت فطرة الشعوب أنقى من عقول النخبة والمثقفين، ففي ميادين الثورات العربية ارتفعت أعلام فلسطين، وبات الجميع يدرك أن نجاح الثورات يساوي قرب تحرر بيت المقدس، وهي تلك اللحظات التي فزع فيها الإسرائيليون لسقوط كنزهم الاستراتيجي، وما إن اهتز كرسي بشار حتى صاح رامي مخلوف بأن سقوط النظام في سوريا يمثل تهديدا لأمن إسرائيل. جميع أولئك الحكام يعرف أن مهمته حماية إسرائيل، وهو عند الخطر يساوم بها ويهتف في توسل وتهديد: لن تجدوا أفضل مني في القيام بالمهمة.

من هنا ترى حكام العرب يحذرون من تداعيات قرار ترامب، ولأنهم في وجه المدفع فهم أكثر فزعا ورعبا، بينما السيد الكبير في البيت الأبيض يختبر بهذه القرارات مدى نفعهم وفائدة الاستثمار فيهم..

تروي جولدا مائير في مذكراتها أن مبعوثا خاصا بين الإسرائيليين وبين عبد الناصر عرض على عبد الناصر زيارة إسرائيل، فقال عبارته الكاشفة والتي تعبر عن حقيقة مواقف الحكام العرب المصنوعين على أعين الاستعمار: "لو أن بن جوريون جاء إلى القاهرة للتحدث معي فسوف يعود بطلا، أما إذا ذهبت إليه أنا فسوف أُقْتَل عند عودتي". ثم استمرت جولدا مائير في رواية اللقاءات السرية مع الملك عبد الله ملك الأردن الحليف الوثيق الذي تعهد لهم بشرف مثلث أن يكون نصيرا لهم، لا سيما وأن لديهم عدوا مشتركا هو "أمين الحسيني"[2]!!

لن تهتز ثقتي بالأمة قيد شعرة لو أن إعلان ترامب هذا لم يفجر المظاهرات في الشوارع أو الانتفاضة في فلسطين، فلقد عرفت الأمة طريقها الوحيد والصحيح لتحرير القدس، وهو طريق نجاح الثورات وإسقاط الأنظمة الحارسة لإسرائيل، فتلك هي المعركة الحقيقية الصعبة الشرسة لا ذلك المسلسل الذي كانوا يسمحون لنا فيه بشبه مظاهرات تنفيسية تهتف وتصرخ ثم تعود بعد استهلاك طاقتها، ولا تلك الأغاني والمقالات الصحفية التي يكتبها ويغنيها ويلحنها أعداء حرية الشعوب ومن كانوا دائما في صف الطغيان ضد التحرر.

إن القدس لمن عشقها حقا، وبذل في سبيلها ما استطاع.. وأولئك الذين أسسوا إسرائيل مهما أبغضناهم فلا نملك إلا أن ننصفهم فنقول بأنهم بذلوا مجهودا هائلا وتخطوا عراقيل عظيمة في سبيل الوصول إلى القدس. وإني لأتخيل هرتزل ونوردو، ووايزمان، يحلمون بإنشاء دولة لليهود في فلسطين.. يعزمون على التخطيط لأمر يغير الخرائط والواقع والسياسة والاقتصاد.. تصطدم فيه دول وامبراطوريات وتهلك فيه أطنان الأموال وتُسفك دونه بحور الدماء، تُزاح فيه عشرات الألوف أو مئات الألوف من قراها وأرضها، لتنقل إليها مئات الألوف والملايين من سائر أنحاء العالم، يُنتزعون من أموالهم وديارهم ووظائفهم ومجتمعاتهم، مسألة تهلك فيها العقول في دوائر السلطة لإقناع هذا وتحفيز هذا وتسكين هذا وخداع هذا ورشوة هذا واختراق هذا واغتيال هذا وتخدير هذا... إلخ! ومع ذلك.. فعلوها، ونجحوا.. مهما كره المرء شرهم ودمويتهم فلا يملك إلا الإعجاب الكبير بهذا العزم الحديد، والتخطيط الشديد، والأمل البعيد..

وأي مقارنة بين هؤلاء وبين من يحكموننا الآن، بل حتى بين من تصدروا لقيادتنا تجعل البصر يرتد خاسئا وهو حسير، فقر في الخيال وفقر في الهمة وفقر في الجسارة وفقر في تعلم الدروس، ظلمات بعضها فوق بعض!

متى صارت القدس عاصمة إسرائيل على الحقيقة؟!

ربما سيندهش الكثيرون حين يسمعون الإجابة! لكنها إجابة كاشفة تفضح فارق التعلق بالقدس، وفارق الجسارة والمبادرة..

تروي جولدا مائير في مذكراتها أن بن جوريون لم ينتظر حتى يعطيه أحد إذنا أو شرعية بأن تكون القدس هي العاصمة، فمنذ نهاية 1949 أصدر قرارا بنقل مكاتب الحكومة من تل أبيب إلى القدس، وفي القدس أدى وايزمان القسم عند توليه رئاسة الدولة، وهذا بالرغم من توصية اللجان الخاصة والأممية بعدم ضم القدس إلى أي من الدولتين. ولم يأبه بن جوريون بقرار الأمم المتحدة بتدويل القدس (ديسمبر 1949م)، بل أصر على قراره رغم أن أصواتا داخل إسرائيل حذرت من مغبة هذا العمل الذي قد يفقد إسرائيل غطاء الشرعية الدولية، وانتقلت سائر الحكومة إلى القدس ما عدا وزارة الخارجية التي اضطرت للبقاء في تل أبيب حيث تقيم البعثات الدبلوماسية الأجنبية.

وهكذا بادر بن جوريون فجعل القدس عاصمته وقت أن كان ترامب في الثالثة من عمره!!

ثم تروي جولدا مائير كيف أنها انتقلت على الفور إلى القدس، وأنها فضلت السكنى في غرفة صغيرة فوق سطح منزل.. غرفة لا تليق بالوزيرة إطلاقا، فضلا عن أنها قريبة من الحدود وفي مرمى الخطر. وظلت فيها شهورا حتى بُنيت لها شقة تطل شرفتها على تلال القدس[3]!

إن معادلة التعلق بالقدس واضحة في أذهان سائر من فكروا بصدق في تحريرها، منذ أيامها الأولى، ففي عام 1953، ألقى سيد قطب محاضرة في شعبة الإخوان بالقدس (الشرقية) قال فيها: "نحن لا نريد من الجيوش العربية أن تحرر فلسطين، نحن نريد أن يسمح للمجاهدين بأسلحة خفيفة، هؤلاء هم الذين سيحررون فلسطين"[4].

كان يعرف أن العسكر لن يحرروا وطنا سليبا، كانوا هم سبب سلبه، وهم حماة سالبه.. بعده بنحو عشرين سنة قالها أمل دنقل شعرا سائرا:

قلت لكم مرارا:
إن الطوابير التي تمر.. في استعراض عيد الفطر والجلاء
فتهتف النساء في النوافذ انبهارا..
لا تصنع انتصارا..
إن المدافع التي تصطف على الحدود، في الصحارى
لا تطلق النيران.. إلا حين تستدير للوراء
إن الرصاصة التي ندفع فيها.. ثمن الكسرة والدواء
لا تقتل الأعداء
لكنها تقتلنا.. إذا رفعنا صوتنا جهارا
تقتلنا، وتقتل الصغارا !

قلت لكم في السنة البعيدة
عن خطر الجندي.. عن قلبه الأعمى، وعن همته القعيدة
يحرس من يمنحه راتبه الشهري
وزيه الرسمي
ليرهب الخصوم بالجعجعة الجوفاء.. والقعقعة الشديدة
لكنه.. إن يحن الموت فداء الوطن المقهور والعقيدة..
فر من الميدان، وحاصر السلطان، واغتصب الكرسي
وأعلن "الثورة".. في المذياع والجريدة!

قلت لكم كثيراً
إن كان لابد من هذه الذرية اللعينة
فليسكنوا الخنادقَ الحصينة
متخذين من مخافر الحدود.. دوُرا
لو دخل الواحدُ منهم هذه المدينة
يدخلها.. حسيرا
يلقى سلاحه.. على أبوابها الأمينة
لأنه.. لا يستقيم مَرَحُ الطفل، وحكمة الأب الرزينة
مع المُسَدسّ المدلّى من حزام الخصر
في السوق.. وفى مجالس الشورى




[1] عباس مصطفى عمار، سيناء: المدخل الشرقي لمصر، ط2 (الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، يوليو 2014م)، ص10 (مقدمة وليد نويهض). والجزء الأخير من كتاب المؤرخ الإيطالي ترجمه إلى العربية الأب سليم رزق الله بعنوان "كتاب الأسرار في استرجاع الأراضي المقدسة والحفاظ عليها"، وصدر في بيروت عن مؤسسة الريحاني عام 1991م.
[2] جولدا مائير، اعترافات جولدا مائير، ترجمة: عزيز بيومي، (القاهرة: دار التعاون، د. ت)، ص176 وما بعدها.
[3] جولدا مائير، اعترافات جولدا مائير، ص213، 214.
[4] إبراهيم غوشة، المئذنة الحمراء: سيرة ذاتية، ط2 (بيروت: مركز الزيتونة، 2015)، ص48.

الأربعاء، ديسمبر 06، 2017

الذين فاتهم القطار

لما أرادت هيلاري كلينتون أن تضرب مثلا على العلاقة بين أمريكا والحكام العرب لم تجد نموذجا أوضح من اليمن ورئيسها علي عبد الله صالح، كتبت في مذكراتها تقول: 

"كانت علاقة أمريكا بالرئيس صالح رمزا للخيار المحير الذي تعانية سياستنا في منطقة الشرق الأوسط. كان فاسدا ومستبدا، لكنه التزم أيضا محاربة تنظيم القاعدة، والمحافظة على وحدة بلاده المنقسمة. قررت إدارة أوباما أن نتغاضى عما يزعجنا في سياسة صالح، لنزيد المساعدات العسكرية والتنموية لليمن، ونوسع تعاوننا في مكافحة الإرهاب"[1].

كذلك تقر كلينتون أن صنعاء تحت حكم صالح مدينة مغبرة "تعود إلى القرون الوسطى"، وأن الشعب اليمني تنتشر فيه البطالة ويتضاءل في البلاد إمداد المياه ووفيات الأطفال "مروعة"، وسكان اليمن هم أقل الشعوب تعلما على وجه الأرض!

كانت هيلاري تحكي قصة زيارتها للشرق الأوسط عشية اندلاع الثورات العربية، فقد بدأت زيارتها في 9 يناير 2011 تحديدا، وقت أن كانت الثورة التونسية في مخاضها، وقبل أن تلملم حقائبها لتعود إلى واشنطن كان زين العابدين بن علي قد لملم حقائبه سريعا ليهرب من تونس إلى السعودية!

ستأتي معنا السعودية بعد قليل.. لكن الطريف هنا أن زيارة كلينتون إلى اليمن حصلت في ظل سحابة لم تنقشع أثارتها وثائق مسربة من ويكي ليكس فضحت أن علي عبد الله صالح طلب أموالا من الأمريكان مقابل أن يسترد الأسرى اليمنيين في سجون جوانتانامو، طلب منهم 11 مليون دولار بزعم احتياجه لإنفاقهم على إعادة تأهيل الأسرى، ولما أخبره المسؤول الأمريكي بأنه يمكنهم أن يدفعوا نصف مليون دولار امتعض ورفض! لم يكن لدى علي عبد الله صالح بأس في أن يبقى يمنيون في جوانتانامو ما لم يأخذ على رؤوسهم الثمن المناسب!

ساعتئذ أيضا، وكما كشفت ويكي ليكس، اقترح ملك السعودية عبد الله عبد العزيز، أن تزرع شرائح إلكترونية في أجساد من سيُفرج عنهم من جوانتامو ليظلوا تحت الرقابة، كما يفعل الأمريكان مع الحيوانات والطيور لمراقبتها، وقد رد عليه المسؤول الأمريكي بأنهم يستطيعون فعل هذا مع الحيوانات لأنها لا تستطيع توكيل محامين[2]! ولمرة أخرى سنعود إلى السعودية بعد قليل.

قبل ذلك بشهور، أي في منتصف 2010 تقريبا، حدثني أحد المشايخ بعد عودته من رحلة إلى اليمن، كان ثمة مؤتمر علمي ثم دُعِي المشايخ إلى لقاء مع علي عبد الله صالح، وفيه ظل صالح يتكلم نحو ثلاثة أرباع الساعة يشرح الإسلام للمشايخ! وبين كل فترة وأخرى يقول "طبعا أنتم أعلم بهذا.. وليس من اللائق أن أشرحه لكم" لكنه يستمر في الشرح! ولما سكت قام عائض القرني فنصب خطبة نفاقية في صالح وأن المشايخ معه في دعمه ضد الحوثي، ولم يكن يخفى على أحد أن عائضا ينطق بلسان ولي أمره في السعودية. وبعد نهاية القصة أخبرني الشيخ بجملة رسخت في رأسي منذ قالها: "حين تدخل اليمن تجد الناس وكأنهم يعيشون قبل قرون، كل شيء صغير بسيط فقير متواضع.. كأنما ليست دولة وكأنه لا موارد لها، فإذا دخلت إلى قصر علي عبد الله صالح عرفت أن تتكدس الأموال"!

الواقع أنه من العبث أن يُكتب في مساوئ رجل ثار عليه شعبه، الثورة هي أبلغ قائمة اتهام، فالشعوب لا تثور إلا حين يفيض الكيل تماما، وكل محاولة في تبرير الثورة هي محاولة مفلسة مسبقا، الثورة نفسها هي البرهان الأقوى والأرسخ على فساد الحاكم وظلمه وتجبره..

غير أن هذا لا ينفي أن الرجل استطاع أن يتلاعب بالجميع ليبقى هو في كرسيه، بداية من الجهاديين والإخوان المسلمين والأحزاب السياسية والقوى القبلية والنظام الإقليمي، وظل خادما وفيا مخلصا للنظام الدولي وخياراته حتى فاته القطار.. ولما فاته القطار جاءته السعودية!

سيُدرج الكتاب الذي يؤرخ للسياسة السعودية في باب الطرائف والفكاهات، على نحو "أخبار الحمقى والمغفلين"، فالنظام السعودي لا تفسير لسياساته المستمرة إلا أن يكون القائمون عليها سكارى ومجانين أو أن يكون القائمون عليها هم الأمريكان والإسرائيليون رأسا.. إنه النظام الذي تفنن وتفاني في ضرب كل القوى التي تحميه وتشكل درعا وحصنا له، النظام الذي سخر نفسه وأمواله ومشايخه في ضرب أهل السنة من أفغانستان شرقا وحتى الجزائر غربا، وأغرب ما في تلك الفصول المتسلسلة أنهم دعموا الحوثي للتخلص من إخوان اليمن!

كبر الحوثي وتضخم، سيطر على صنعاء، وصمد أمام أكبر آلة عسكرية يمكن للسعودية أن تحشدها، بل لقد استطاع أن يضرب الصواريخ على الرياض!! ولأن دعم الإخوان –كطرف وحيد مؤهل لخوض معاك حقيقية ضد الحوثي- هو بالنسبة للنظام السعودي خط أحمر، فقد فعلوا كل شيء إلا هذا.. ثم ختموه باستدعاء من فاته القطار! على عبد الله صالح!

وجد صالح الفرصة، انقلب على حلفائه الحوثيين، متوهما أنه يستطيع لمرة أخرى أن يلاعب الجميع، وبعد ثلاثة أيام كان حلفاؤه قد أكلوه.. وخسرت السعودية ورقتها الأخيرة ضد الحوثي، الورقة التي استدعتها من مزبلة التاريخ.. بعد أن فاتها القطار.

وبهذا يكون ابن سلمان قد سجل فشلا جديدا بعد واقعة سعد الحريري، والواقع أن ابن سلمان ليست له نجاحات خارجية قط، سائر نجاحاته إنما هي في معاركه الداخلية مع أبناء عمومته على العرش، وهي معارك قد دفع مسبقا –ولا زال يدفع- ثمنها بالمليارات وبالتطبيع مع إسرائيل وبإخراج السعودية من دينها إلى العلمانية والتغريب.. فانتصاراته فيها ليست لقوته الذاتية، وإنما هي لأن يد الأمريكان فوق أيديهم. ثم هي حتى الآن انتصارات غير محسومة نهائيا، وإنما سيُعرف مصيرها لحظة أن يعتلي بنفسه العرش أو لحظة أن يأتي أباه الأجل!

تحارب السعودية إيران بالكلام بينما كل سياساتها تمكين لإيران وترسيخ لنفوذها، ولم تراهن السعودية على أحد فأفلح (سعد الحريري وعبد ربه منصور هادي ثم علي عبد الله صالح) بل إنها لتراهن على حليف فينقلب عليها كما فعل ويفعل السيسي في مصر، ومع هذا فهي ماضية في صد ورد وخيانة من أراد ودها كقطر وتركيا والإخوان المسلمين في مصر واليمن وليبيا وفصائل من الثورة السورية وحماس في فلسطين، مع أن هؤلاء على وجه التحديد هم المؤهلين للوقوف أمام التمدد الإيراني (هذا لو أن السعودية صادقة في معاداة إيران أصلا).

وقريبا يفوت القطارُ النظامَ السعودي نفسه، وقديما قالوا: السعيد من اتعظ بغيره والشقي من اتعظ بنفسه.. ولات حين مندم!




[1] هيلاري كلينتون، خيارات صعبة، ط1 (بيروت، شركة المطبوعات، 2015م)، ص327.
[2] اليمن قايض معتقلي غوانتانامو بالمال، الجزيرة نت، 1 ديسمبر 2010م.

الثلاثاء، ديسمبر 05، 2017

اليهود بين الأمة الإسلامية والأمم الأخرى (2)

افتتحنا في المقال الماضي الحديث عن اليهود بين أمة الإسلام والأمم الأخرى، وذكرنا أننا سنقتصر في الاستدلال على ما نقول بأقوال المستشرقين من اليهود والمؤرخين الغربيين فحسب، وقدمنا في المقال الماضي المنهج العام الذي نسير عليه في الدراسة، وبدأنا أولى الحلقات بالتقييم العام المجمل لأوضاع اليهود في ظل الأمة الإسلامية مع أوضاعهم في ظل الأمم الأخرى.

نواصل اليوم فنرصد سريعا ماذا قيل عن أوضاع اليهود في مجمل التاريخ الإسلامي، ثم نبدأ بفترة الخلافة الراشدة. فالله المستعان

اليهود عبر التاريخ الإسلامي

يقول الفيلسوف الروسي الشهير تولستوي: "من فضائل الدين الإسلامي أنه أوصى خيرًا بالمسيحيين واليهود، ولا سيما قساوسة الأولين؛ فقد أمر بحسن معاملتهم ومؤازرتهم، حتى أباح هذا الدين لأتباعه التزوُّج من المسيحيات واليهوديات، مع الترخيص لهن بالبقاء على دينهن، ولا يخفى على أصحاب البصائر النيِّرة ما في هذا من التساهل العظيم"[1].

وهذا هو الأصل السائر في التاريخ الإسلامي، وأبرز دليل على هذا بلوغ اليهود المناصب العليا في الدولة الإسلامية في مختلف الأحقاب، وإلى هذا يشير صموئيل أتينجر بقوله: "يلاحظ دارسو التاريخ اليهودي في العصور الوسطى أن السلطات حرصت على جباية الجزية من اليهود، وتطبيق القوانين الإسلامية، ولكنها أتاحت لليهود في نفس الوقت تقلد العديد من المناصب المهمة، فكان حسداي بن شبروط في بلاط الخليفة الأموي عبد الرحمن الثالث (عبد الرحمن الناصر) وشموئيل هناجيد (إسماعيل بن النغرالة) في غرناطة إبان القرنين العاشر والحادي عشر، على سبيل المثال، من أبرز الشخصيات اليهودية التي عملت في إطار الخلافتين الأموية والأندلسية. وكذلك خدم الإخوة إبراهيم وحيد بني سهل التوستاري لدى الخلفاء الفاطميين في النصف الأول من القرن الحادي عشر. وفي إطار الخلافة الفاطمية بمصر تقلد اليهود العديد من المناصب المهمة... ومن الملاحظ أن اليهود اندمجوا طيلة الفترة العثمانية في كافة الأجهزة الحكومية"[2].

ولئن رُصِدت فترات اضطهاد أحيانا فذلك إنما كان لفترات قصيرة استثنائية ثم إنها ف عمومها كانت ضمن سياق استبدادي عام ولم تكن مختصة باليهود كأتباع ديانة مخالفة، هذا ما يقرره المستشرق الفرنسي مارسيل بوازار حين يقول:

"الإسلام يتراءى أكثر تسامحًا كلما قَوِيَ واشتدَّ على الصعيدين الداخلي والخارجي، وتنص الآية القرآنية التي تمنع الإكراه على اعتناق الدين عن تأكيد لا يتزعزع، وقوة الأُمَّة تُوَفِّر للمؤمن ألا (يُخِيفَ) اليهودي ولا المسيحي، وأن يحترم -بالتالي- شخصهما ودينهما ومؤسساتهما... وينبغي من جهة أخرى الإشارة إلى أن الشعوب الإسلامية بمختلف نزعاتها، الدينية أو الفلسفية، قد قاست ما قاساه المعاهدون حين بلغ جو التعصب ذروته [في السلطة]، إن لم تكن قاست أكثر مما قاسوا. وتنقل الكتب مثلا أن أحد المسلمين لم ينج من القتل على أيدي زمرة تخالفه الرأي إلا بعد أن ادعى أنه ذمي"[3].

ويزيد المعنى وضوحا المستشرقُ الإيطاليُّ الشهير فرانشسكو جابرييلي عندما يقارن بين الإسلام والمسيحية بقوله:
"إننا يجب أن نذكر دائمًا أن الإسلام أضفى على (عقائد أهل الكتاب) -أي المسيحية واليهودية- مكانة خاصة يحميها الشرع، وإن تكن ذات مرتبة أدنى في الدولة، ولم يَدُمِ التزمت والاضطهاد فترات طويلة إلا في أوقات الشدَّة، وعدم الشعور بالأمان، أما قانون المسيحية فليس فيه أي مكان لأي دين آخر؛ لذا فقد انتقل بسرعة وبتطور منطقي، عندما انتصر على الإسلام إلى التعصب والاضطهاد"[4].


بدأت الفتوحات في عصر الخلافة الراشدة، تلك الفتوحات التي كانت إنقاذا لليهود في البلدان المفتوحة من الاضطهاد المنهجي المتكرر، يقول مؤرخ الحضارة ول ديورانت: "كان اليهود في بلاد الشرق الأدنى قد رحبوا بالعرب الذين حرروهم من ظلم حكامهم السابقين، إلا أنهم في عهدهم قد فُرضت عليهم عدة قيود ولاقوا شيئاً من الاضطهاد من حين إلى حين، غير أنهم مع هذا كانوا يُعاملون على قدم المساواة مع المسيحيين، وأصبحوا مرة أخرى يتمتعون بكامل الحرية في حياتهم وفي ممارسة شعائر دينهم في بيت المقدس، وأثروا كثيراً في ظل الإسلام وفي آسية، ومصر، وأسبانيا، كما لم يثروا من قبل تحت حكم المسيحيين"[5].

وهم لم يرحبوا فقط بل ساعدوا في الفتوح كما يقرر المستشرق البريطاني الخبير توماس أرنولد: "وكان من أثر هذه الاضطهادات أن رَحَّب اليهود بالعرب الغزاة وعَدُّوهم مُخَلِّصِين لهم مما حلَّ بهم من المظالم، فساعدوهم على فتح أبواب المدن، كما استعان بهم الفاتحون في حماية المدن التي وقعت بأيديهم"[6].

بل لقد منح الفتح الإسلامي لليهود أملا جديدا في الحياة كما تقول الباحثة البريطانية في مقارنة الأديان كارين أرمسترونج؛ "فقد كان الأباطرة البيزنطيون قد جرَّموا الديانة اليهودية، كما أوشك هرقل على إجبار اليهود على أن يُعَمَّدوا مسيحيين، لذا كان اليهود على استعداد لمؤازة المسلمين كما سبق لهم أن آزروا الفرس، خاصة وأن عقيدة المسلمين التوحيدية كانت أكثر قربا لليهودية منها للمسيحية... كما أن المسلمين لم يحرروهم فقط من ظلم بيزنطة، لكنهم أيضا منحوهم حق الإقامة الدائمة في المدينة المقدسة. ولا يثير الدهشة إذن أن يتسبب هذا التغيير في إلهام اليهود ببعض الأحلام الرؤياوية، خاصة وأن المسلمين حاولوا تطهير المعبد. وأصبح هناك تساؤل عما إذا كان ذلك يعني التمهيد لتشييد المعبد النهائي الذي سيقيمه المسيح المنتظر. وهكذا ظهرت قصيدة عبرية قرب نهاية القرن السابع ترحب بالعرب المبشرين بالمسيح المنتظر وتترقب آملة أن يجتمع شمل يهود الشتات وأن يُعاد بناء المعبد، وحينما لم يصل المسيح المنتظر، استمرت نظرة اليهود الراضية عن الحكم الإسلامي في أورشليم. ففي خطاب كتبه حاخامات أورشليم في القرن الحادي عشر، تذكر هؤلاء الرحمة التي أظهرها الإله لشعبه حين سمح "لمملكة إسماعيل" أن تفتح فلسطين وعبروا عن غبطتهم لوصول المسلمين إلى أورشليم"[7].

وهكذا لم يكن الأمر مجرد التقاء أغراض سياسية ثم ينقلب الفاتح إلى باطش، بل على العكس كما تقرر زيجريد هونكه، "فلم يكن الهدف أو المغزى للفتوحات العربية نشر الدين الإسلامي [بالجبر]، وإنما بسط سلطان الله في أرضه، فكان للنصراني أن يظلَّ نصرانيًّا، ولليهودي أن يظلَّ يهوديًّا كما كانوا من قبل، ولم يمنعهم أحدٌ أن يُؤَدُّوا شعائر دينهم، ولم يكن أحد لِيُنزِل أذًى أو ضررًا بأحبارهم أو قساوستهم ومراجعهم، وبِيَعِهم وصوامعهم وكنائسهم"[8].

في المقال القادم إن شاء الله تعالى نستعرض أحوال اليهود في ظل الأحقاب الإسلامية: عصر الدولة الأموية ثم عصر الدولة العباسية.

نشر في مجلة المجتمع الكويتية 




[1] تولستوي، حِكَم النبي محمد، دراسة وتقديم: د. محمود النجيري، ط1 (الجيزة: مكتبة النافذة، 2008م)، ص43، 44.
[2] صموئيل أتينجر، اليهود في البلدان الإسلامية، مرجع سابق، ص49، 50.
[3] مارسيل بوازار، إنسانية الإسلام، ترجمة: د. عفيف دمشقية، ط1 (بيروت: دار الآداب، 1980م)، ص202.
[4] فرانشسكو جابرييلي، الإسلام في عالم البحر المتوسط، ضمن "تراث الإسلام"، بإشراف: جوزيف شاخت، وكليفورد بوزوروث، ترجمة: د. محمد زهير السمهوري وآخرون، سلسلة عالم المعرفة 11 (الكويت، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1987م)، ص114.
[5] ول ديورانت، قصة الحضارة، ترجمة: مجموعة، (القاهرة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 2001م)، 13/131.
[6] توماس أرنولد، الدعوة إلى الإسلام، ترجمة: حسن إبراهيم حسن وآخران، (القاهرة: مكتبة النهضة المصرية، 1980)، ص155.
[7] كارين أرمسترونج، القدس: مدينة واحدة عقائد ثلاث، ترجمة: د. فاطمة نصر ود. محمد عناني، (القاهرة: سطور، 1998م)، ص394.
[8] زيجريد هونكه، الله ليس كذلك، ترجمة د. غريب محمد غريب، ط2 (القاهرة: دار الشروق، 1996)، ص41.

الأربعاء، نوفمبر 29، 2017

زمن الجاهلية الجميل!

كانت الأصنام في الجاهلية كثيرة.. لكل قبيلة صنم، في كل بيت صنم، ومن أراد أن يتخذ صنما لنفسه فعل، وحين يكون القوم في سفر يحمل الرجل صنما صغيرا، إن تكاسل عن الحمل بحث في لحظات الراحة عن حجر فاتخذه صنما ليعبده، فإن مرَّ بحجر خير منه ألقى الأول وعبد الثاني، فإن كانوا بأرض غير ذات حجارة جمعوا ترابا ثم جاءوا بشاة فحلبوها عليها فتتماسك فيعبدونها ويطوفون حولها.. وهكذا! وحول الكعبة وحدها انتصب ثلاثمائة وستون صنما!!

كان عصر حريات دينية من أوسع ما يكون!

هذا إن كان الدين مجرد علاقة بين الرجل وربه، فليس يضر ملأ قريش أن ينتقل الرجل في اليوم بين خمسة أصنام أو ستة، أو يترك عبادة الأصنام كلها ويقضي يومه وليله يتأمل في السماء وينسج الأشعار، أو حتى يتعلم الكتاب الأول فيتهود أو يتنصر.. كل شيء مباح ما دام المرء مواطنا صالحا يمشي على النظام المتبع ولا يخرج عنه أو يخرج عليه.

من هنا فهم العرب التهديد الخطير الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فهموه من الكلمة الأولى "لا إله إلا الله"، فهموا منه ما لا يفهمه أغلب الناس اليوم، فهموا في لحظة واحدة أن كلمة التوحيد تعني هدم الأصنام، وهدم الأصنام يعني تغيير النظام.. كانت كلمة "لا إله إلا الله" في أسماع ملأ قريش ككلمة "الشعب يريد إسقاط النظام" في أسماع الحكام العرب، إلا أن كلمة التوحيد بناء بعد هدم، وتصور شامل للحياة، ولهذا انتفض النظام القرشي ضد الدعوة الجديدة..

فلو أن متحدثهم ينطق بلسان اليوم أو أن متحدث الأنظمة اليوم كان في زمانهم لقال: "إن الدولة القرشية تدافع عن الحريات الدينية المكفولة لكل مواطن، فهي لا تدافع عن صنم بعينه ولا عن عبادة شمس أو قمر، بل تدافع عن حق كل مواطن في عبادة ما يشاء، فالدين هو مجرد علاقة بين العبد وربه، لا دخل للدولة فيه.. وهذه الدعوة الجديدة التي جاء بها فتى بني هاشم إنما هي تطرف وتعصب بغيض ومحاولة إجبار الناس على عبادة إله واحد، وضرب استقرار المجتمع وتعكير السلم الاجتماعي وقلب نظام الحكم عبر السعي إلى السلطة بوسائل مخالفة للقانون والدستور القرشي الذي وضعه الآباء المؤسسون العظام". قد قيل كل هذا الكلام لكن بألفاظ أخرى، وصدق ربنا (وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم).

قد كانت أزمتهم على الحقيقة أن الإسلام ليس مجرد طقوس وشعائر وعلاقة بين العبد وربه، إنما هو نظام ومنهج يصوغ الحياة وفق رؤية شاملة تمتد إلى مناحي السياسة والاجتماع والاقتصاد، ومثل هذا لا يمكن القبول به في دائرة الحريات الممنوحة في النظام الجاهلي. وتلك هي أزمة الإسلام حتى الآن مع الأنظمة الحاكمة ومع النظام الدولي.

على أن قوة الإسلام التي رسخت في الناس لا تجعل النداء بالعودة إلى "زمن الجاهلية الجميل" مقبولا، حتى من يتابع أحلام المستشرقين والمنصرين وتطورها يجدها في انحدار، ففي مطلع القرن الماضي كانت مؤتمراتهم ومؤلفاتهم تبشر بقرب تنصير العالم الإسلامي، ثم بدأت تظهر نبرة أن المطلوب ليس تنصيرهم بل المطلوب إخراجهم من الإسلام (وأوضح تطبيق على هذا المعنى أن الحلفاء المنتصرين في الحرب العالمية الأولى اكتفوا بإخراج الإسلام من القسطنطينية وقهرها على العلمانية ولم يحاولوا إعادتها إلى المسيحية)، وعند نهاية القرن وبداية القرن الجديد كانت التقارير الغربية وكثير من المستشرقين قد وصلوا إلى مرحلة "صناعة الإسلام المعتدل" ودعم الفئات "الإسلامية" التي تمثل دينا مستكينا مهتما بالعلاقة بين العبد وربه ومستسلما للنظام الحاكم ومن فوقه النظام الدولي. وتنوعت التوصيات من دعم فئات متدينة في حياتها الخاصة لكنها ملتزمة بالنظام السائد (كانوا يتوقعون أن تكون تجربة تركيا مثالا ناجحا على هذا) إلى دعم فئات لا تتدخل بالسياسة من قريب أو بعيد (كجماعة التبليغ التي تسمح لها الأنظمة بمعسكرات ورحلات وخطب على المنابر) إلى دعم فئات تتدين بعبادة الحاكم وتمهيد الأمر له (كما في حالة السلفية المدخلية والطرق الصوفية). ومع تضاؤل نجاحهم في التجربة الأولى ثم قلة نجاحهم في الثانية يبدو أن التوصيات الآن محتفية على وجه الخصوص بدعم السلفية المدخلية والطرق الصوفية.

قبل شهور طالعت دراسة عن قوانين التنظيمات العثمانية في القرن التاسع عشر، يقول كاتبها (الخبير في مكافحة الإرهاب!) في السطور الأولى أنه كتبها بغرض إقناع الجماعات الإسلامية التي تتطلع إلى الخلافة وحكم الشريعة أن الدولة العثمانية التي يعتبرونها خلافة إسلامية كانت في آخر أيامها تسير في الطريق إلى العلمانية وتقصي الشريعة الإسلامية وتستبدل بها القوانين العلمانية الأوروبية، وأن هذا قد حدث برعاية الخليفة، وأن الدولة العثمانية كانت أبعد ما تكون عن الخلافة الدينية التي يتطلع إليها الإسلاميون، إنما كانت إمبراطورية عسكرية برجماتية تسعى بأي وسيلة للبقاء على قيد الحياة[1].

هنا نصل إلى مستوى جديد من الخطاب، وهو مستوى يقول: التجربة التي تنشدونها وتتطلعون إليها إنما كانت في حقيقة الأمر علمانية، لم تكن بالصورة التي تتخيلون، فدعكم من الأوهام، واقتنعوا بالعلمانية. ويمكن تجميل الصياغة على نحو آخر لتصير: إن النموذج الإسلامي العظيم المتمثل في الدولة العثمانية التي كانت خلافة إسلامية كبيرة هو في حقيقته كان يسير نحو الحداثة والتطور ويتقبل بشكل رائع ومرن المستجدات العالمية، حتى إن الخليفة نفسه وفي ظل مشيخة الإسلام نفسها بدأوا في استبدال القوانين الأوروبية بالقوانين الإسلامية، وبقبول مفهوم المواطنة كبديل عن الأمة، وعلينا أن نواصل مسيرة الخلفاء والعلماء المستنيرين لنصل إلى ما لم يمهلهم الوقت ليصلوا إليه.

نفس هذا المنطق كان أحد أهم الدوافع وراء نشر وترويج كتاب "الدولة المستحيلة" لوائل حلاق، فالكتاب يسوق لفكرة أن الدولة الإسلامية وإن كانت عظيمة ورائعة وبها من القيم ما تفتقر إليه الحداثة إلا أن تحققها في الواقع مستحيل، ومن ثم فعلى من يسعون في إعادة إحيائها أن يكونوا أكثر واقعية. ومن هنا أثار الكتاب ردود فعل مختلفة بين العلمانيين والإسلاميين جميعا، لأن كل طيف في كل فريق رآه داعما أو مهددا لفرضية أساسية لديه. فالإسلاميون الجهاديون والثوريون احتفوا بالكتاب لأنه يثبت تناقض الإسلام مع منظومة الحداثة تناقضا يمنع التقاءهما وهي فكرة داعمة للمسار الثوري الجهادي النضالي ثم اختلفوا مع استحالة التحقق فإن عودة الخلافة وعد الله، والإسلاميون الديمقراطيون تلقونه بالرفض لأن بناءهم الفكري يسوق لالتقاء الإسلام بالحداثة واستطاعته استيعابها أو التكيف معها أو الاستجابة لها بأخذ خير ما فيها ورفض شر ما فيها ثم قالوا بأن هذا هو دليل إمكانية التحقق لا استحالته كما يسوق المؤلف. وعلى الجانب الآخر: رفض فريق من العلمانيين الكتاب لما فيه من ثناء على التجربة الإسلامية وإثبات افتقار الحداثة لبعض قيمها بل واحتياجها للاستفادة من الإسلام، ومنهم فريق لم يهمه من الكتاب إلا أنه يقدم رواية فيها إرضاء للمتدينين والإسلاميين وتجربتهم العظيمة مع إثبات أنها كانت ولن تعود وأنها مستحيلة التحقق.

حين ننظر فيمن ترجم وروج للكتاب سنجدهم من الفريق الأخير.. فريق من يعتنق مفهوما علمانيا قوميا يحرص على نوع إرضاء أو لنقل عدم خسارة للتيار الإسلامي في مشروعه الجديد. ذلك هو مشروع عزمي بشارة صاحب النفوذ الثقافي الطاغي من خلال نوافذه البحثية والإعلامية، ومن لا يخفى على متابع سعيه في تصنيع الكوادر على نفس المثال.

عزمي بشارة، وهو ألطف من يتحرك في سياق تفكيك مفهوم الدولة الإسلامية، قال في فيديو منشور نفس ما قاله خبير مكافحة التطرف، يكاد أن يكون بالحرف، ولربما أن يكون قد نقل عنه، يقول ما مفاده: دراسة نهاية المرحلة العثمانية مهمة لنرى التطور الطبيعي لتبني العلمانية، والقوانين التي تبدأ باحترام الشريعة لتؤصل لإقصائها واستبدالها، وقد فعل هذا السلطان العثماني، الذي استعمل الديباجات الشرعية في سعيه "للإصلاحات المدنية"، حتى إلغاء الخلافة على يد أتاتورك إنما كان بفتوى!

وختم بشارة كلمته بقوله "أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم"!!! في أسرع تطبيق عملي على مراده الذي نستطيع أن نقول إنه: إقصاء الإسلام عبر التأصيلات الشرعية نفسها، والشخصيات والمؤسسات والحركات الإسلامية نفسها.

تبدو الفكرة نفسها بائسة ومعبرة عن الإفلاس، ذلك أن الإسلاميين –من أول الغنوشي زعيم الحريات المدنية يسارا وحتى داعش زعيمة الخوارج يمينا- لا يفكرون في الاقتداء بالدولة العثمانية، بل هم يرون آخرها هذا هو المرحلة الكارثية التي أسقطت الخلافة، بل إنه لا تعجبهم ولا حتى الدولة الأموية أعظم الدول الإسلامية قوة واتساعا ونفوذا.. إنما يتعلق أولئك في تنظيراتهم وأدبياتهم بالخلافة الراشدة، ومن خلالها يستدل كلٌّ منهم لمشروعه. لكن اللافت للنظر هنا أن مستوى الخطاب الساعي لإقصاء فكرة الدولة الإسلامية وصل إلى مرحلة يدغدغ فيها مشاعر المسلمين ويحاول إرضاء الإسلاميين بتسويق العلمانية على أنها ليست متناقضة جوهريا مع الإسلام.

وهنا أتذكر كلمة صديقي الساخر: الإسلام دين وسطي جميل لا يتعارض مع الإلحاد!!

تحت نفس لافتة "الإسلام الوسطي الجميل" يتحرك السيسي ومحمد بن سلمان ومحمد بن زايد، كذلك يفعل حسن نصر الله وروحاني وبشار "يحاربون التكفيريين"!! بل إنك لتقرأ كلمات الإسلام المعتدل عند أفيخاي أدرعي ونتنياهو وترامب!! حتى أنشد صديق يقول:

إذا أفتى لأمتنا أوباما .. وعلمنا أصول الدين كيري
فدعنا من حلال أو حرام .. فقد طابت مسامرة الحمير

مهما تضاربت أو اتفقت مشاريع أولئك، فإن تسويقها يتخذ نفس الشعار "العودة إلى الإسلام الوسطي الجميل"، وهنا تتعدد التفسيرات والتأصيلات والفقهاء، بل ويتنوع الفقهاء أنفسهم، فربما كان إعلاميا كمحمود سعد الذي تحسر يوما على زمن الاعتدال الذي كانت تقف فيه المرأة في الشرفة بملابس النوم، ويمسك زوجها بزجاجة الخمر! أو أكاديميا كأسامة الغزالي حرب الذي لا يعترف بالحدود جزءا من الإسلام، أو حتى شيخا معمما يحكم بالجنة على من مات في سبيل الوطن وإن لم يكن مسلما!

القدر المتفق عليه بين كل أولئك أن يتخلى المسلم عن فكرة منافسة الحكام في مساحة النظام، وأن يكتفي من دينه بالشعائر والطقوس، فمن شاء كان سلفيا (مدخليا) أو صوفيا (مهادنا)، ومن شاء ترك الإسلام واعتنق ما شاء متى شاء وكيفما شاء، عش حياتك كما تهوى.. بشرط واحد: أن تكون مواطنا صالحا ملتزما بالنظام!

يكررون سيرة أشباههم من ملأ قريش.. تزعجهم "لا إله إلا الله" وتثير أعصابهم، على أن أولئك أرادوا إخمادها، وهؤلاء يريدون تذويبها وتزويرها!

قال تعالى (كتب الله لأغلبن أنا ورسلي. إن الله لقوي عزيز)




[1] Ishtiaq Hussain, The Tanzimat: Secular reforms in the Ottoman Empire, (faith matter, 2011), p 4.