الأربعاء، يونيو 21، 2017

المنشاوي.. صوت السماء الخاشع البَكَّاء

أصعب المقالات قاطبة تلك التي تحاول أن تصف فيها شعورا ما، فالمشاعر لا توصف، ولهذا فلكم دار الشعراء والأدباء حول المعاني ولا يزالون ثم لا تزال المعاني تلهم مَن بعدهم أوصافا جديدا.. لذلك فإن الذي يُقدم على وصف مشاعره يدخل في منافسة هائلة مع أرباب البيان والبلاغة وحظه فيها من الفوز حظ ضئيل.

فكيف إذا أراد المرء أن يكتب عن صوت هز القلوب وحركها في طول عالم المسلمين وعرضه، سمعته الآذان من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، فتأثرت به واهتزت له وخشعت معه، صوت يتبارى في تقليده العرب والعجم، ولا تزال تقبل عليه القلوب والأسماع كأن صاحبه لم يمت منذ نحو نصف القرن، وقد جاء نصف القرن هذا بعدد هائل من مشاهير القراء تدفق علينا عبر الفضائيات والإذاعات وشبكة الانترنت.

محمد صديق المنشاوي..

توفي في مثل هذا اليوم (20 يونيو 1969م)، ولست أدري إن كان ثمة من تذكره أم لا في عالم الفضائيات والإذاعات، لكنه وإن لم يتذكره أحد فلا ريب أنه صوته كان يصدح في البيوت والمساجد والهواتف والمجالس والحلقات!

بغير انتقاص من أي قارئ، يظل الشيخ المنشاوي أوسع القراء قبولا فيما أعلم، إنه يقرأ القرآن كأن له فيه طريقة مختلفة وكأن فيه سرا مجهولا.. القرآن في صوت المنشاوي كأنه غضٌّ طريٌّ نَدِيٌّ، فيه تلك الروح التي تفوح من كل شيء حي، يشعر المرء أحيانا أن القرآن يتنزل عليه فلم تزل فيه رائحة السماء وأنفاس الملائكة!

ولست أدري كيف يمكن تقريب هذا المعنى، إن له في القرآن خشوعا عجيبا، صوته يميل إلى الحزن والبكاء، لكنه ليس حُزْنَ مُتَصَنِّعٍ ولا بكاءَ مُتَكَلِّف، إنه خشوع حزين يغمر القلب كالنهر العذب، فيرى المرء في القرآن جمالا لا يشعر به مع غيره.

وللرجل في تلاوة القرآن إحساس عالٍ في الوقف والابتداء، فهو يقرأ آية سورة غافر {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.. فإذا به يواصل القراءة بعد {رب العالمين} ويقف عند قوله {هو الحي}، فيظهر للآية معنى جديد: أن الله الذي أنعم علينا بكل هذه النعم، ورزقنا كل هذا الرزق حي لا يموت.. فتسري في النفس طمأنينة قريرة، لا يملك المرء نفسه إلا وهو يقول: الله الله الله!

وفي أول تلك القراءة من سورة غافر بدأ الشيخ تلاوته من قول الرجل الصالح من قوم فرعون {يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ...}، فكانت هذه البداية التي أطال فيها وكررها من خير ما ينزع السامع من حياته الدنيا لينتبه لهذا القرآن الذي سيأتيه بما هو أهم من الدنيا، فيحسن استقباله له، فيسمع بعدها قول الله تعالى:

{يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}.

لست أحسب أن السامع المنصت قد يتلقى هذه المعاني العالية بذات الاستعداد لو كانت البداية بغير هذه المفاجأة (ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع).

ولست أطيل في ذكر الشواهد، فإخواننا من الحفظة والمتقنين يعرفون منها الكثير والكثير.. إنما المقصود هو لفت النظر إلى أن هذا الرجل كان يقرأ بقلبه، فيعرف كيف يصوغ المعاني بصوته، فتأخذ طريقها إلى القلوب، ثم تأخذ الدموع طريقها إلى العيون.

وبقدر ما استطاع كثيرون جدا أن يجتهدوا في تقليد صوته من الأطفال والكبار، من العرب والعجم، كما تشهد مقاطع المسابقات القرآنية، بقدر ما عجز أحد أن يبلغ في الإتقان والأثر مبلغه، إن الأمر ليس مجرد الصوت والنغم وإتقان مخارج الحروف وحركات المدّ، صلب الأمر أعمق من هذا.. إن في تلاوة المنشاوي روحا موصولة بالسماء تجعل الآية حية نابضة!

ساقني اليوتيوب قبل أيام إلى واحدة من تلك المسابقات القرآنية على قناة إيرانية، فكرة المسابقة أن يُختار مقطع لقارئ ثم يجتهد المتسابقون لتقليده، وأحسب أن مثل هذا المقطع خير ما يمكن أن أضرب به المثل على ما أقول.

أول ما انتبهت لصوت المنشاوي حين كنت طفلا، كان يصدح صوته من مئذنة المسجد الكبير في قريتنا التي كنت أزورها صيفا، وكانت عادة القرية أن يسبق المؤذن وقت الصلاة بإذاعة شيء من القرآن، فكنت أنتظر هذه اللحظات وأتشوق إليها وأتمنى لو كان المنشاوي –دون غيره- قبل كل صلاة. ومهما كانت رغبة الطفل في اللعب واللهو كان صوت المنشاوي يغلبها فتتوقف لتسمع وتتأمل وتستمع!

بصوت المنشاوي صرت أتشوق لأعرف كيف كان صوت عبد الله بن مسعود الذي قال فيه النبي (من سرَّه أن يسمع القرآن غضا طريا كما نزل فليسمعه من ابن أم عبد)، وكيف كان صوت أسيد بن حضير الذي نزلت الملائكة لتسمعه حتى هاجت فرسه، وكيف كان صوت أبي موسى الأشعري الذي أحب النبي أن يسمع القرآن منه!

ثم كيف هو صوت رسول الله؟!

كيف كان صوت صاحب القرآن الذي نزل عليه القرآن فكان أول من سمعه من جبريل وأول من تلاه في دنيا الناس؟!.. وكيف كان الصحابة يستمعون إليه منه صلى الله عليه وسلم؟!

ثم كيف سيكون نعيم أهل الجنة الذين ورد في نعيمهم أنهم سيسمعون القرآن من الله تبارك وتعالى بنفسه؟!!

يا الله!!! كيف يُمكن تصور هذا النعيم؟ وكيف يمكن أن يغمر المرء مثل هذا الجمال؟! وأي بحار أنوار وأمواج نِعَم وفيضان متعة ستجتمع في تلك اللحظة؟!


اللهم ارحم عبدك محمد صديق المنشاوي، ولا تحرمنا لذة قراءة كتابك وفهمه والعمل بما فيه، ولا تحرمنا نعيم الجنة وما فيها من متعة سماع كتابك منك يا ودود يا كريم يا رحيم.

الأحد، يونيو 18، 2017

ملامح الدولة المصرية كما في سورة يوسف

ما يلفت النظر في سورة يوسف هو قِدَم وعراقة نظام الدولة في #مصر.. وقصة يوسف هي أقدم ما يُروى في القرآن عن الأحوال في مصر.

الأمور معقدة ولها نظام وترتيب..

مثلا:

1. وجود السجن نفسه.. المجتمعات البسيطة تتعامل بالقتل مباشرة، بالقطع، بالنفي.. هذه العقوبات التي لا تحتاج مجهودا ولا وقتا ولا بناء ولا حراسة ولا إشراف على إطعام أو سقي المساجين!

وجود السجن نفسه دليل على وجود كل هذا..

وهو دليل على قوة الدولة التي تعاقب بالسجن، لأن العقوبة بالسجن تعني أن الدولة تأمن على نفسها من انتقام المسجون إذا أُطلق، وتأمن من وجود عصبة أو قوة ستسعى إلى تهريبه أو تسعى إلى مهاجمة السجن أو هدمه.. الدولة قادرة على الحكم بالحبس، وعلى إنفاذ الحبس، ومكان الحبس معروف للجميع.. والجميع يعرف ويستسلم، أو يعرف ويعجز.

2. وجود (نظام) قضائي.. وفكرة النظام لا علاقة لها بالعدل أو الظلم.. النظام هو القدرة على إدارة الأمر.

فمثلا هناك فترة بين الاتهام والعقوبة.. فامرأة العزيز اتهمت يوسف، وثبت في دائرة ضيقة أنه بريئ، لكن الخبر تسرب من القصر إلى نساء الأثرياء فتهامسن به، هنا تعرضت سمعة الدولة للخطر، ففتحت قضية في هذا الموضوع.

هناك فترة بين الاتهام وبين العقوبة.. هي الفترة التي جاءت فيها امرأة العزيز بالنساء وأخرجت عليهن يوسف.. وقالت بوضوح (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونن من الصاغرين).. تفهم من هذه العبارة أنه حر ما زال في بيت سيده، وأن القضية في فترة التحقيق، ولم تصدر العقوبة بعد.. كما تفهم منها طبعا أنها تملك التدخل في نتيجة القضاء.

(قضاء شامخ من زمان :) )

وهذا النظام القضائي يظهر كذلك في قصة يوسف مع صاحبيه في السجن..

فأحدهما مسجون في تهمة بسيطة، وسيخرج بعد فترة، وسيعود للعمل في فريق شرب الخمر لسيده.. والآخر مسجون في تهمة خطيرة وسيصدر الحكم عليه بالصلب والترك في العراء حتى تأكل الطير من جثته.. فهو الآن في فترة حبس احتياطية حتى يصدر الحكم.

فنفهم من هذا أن من المتهمين من كان يُحبس حتى يصدر عليه الحكم، سواء بالبراءة أو بالقتل.

قيمة هذا الكلام أنه موجود منذ آلاف السنين..

وطبعا هذا النظام القضائي مرهون برغبة الملوك.. فكما دخل يوسف السجن في تهمة ظالمة برغبة الكبار.. خرج منها في لحظة برغبة الملك.. (قضاء مستقل وشامخ :) طبعا)

3. وجود (نظام) إداري في مصر

وهذا النظام الإداري يظهر في العديد من المواقف، فمنها مثلا:

أ- أن أصحاب البضائع لا يسلمون بضائعهم فيتسلمون المقابل لها هكذا بتبادل مباشر.. لا، بل يسلمونها في مكان.. ويستلمون مقابلها في مكان آخر، ويتسلمونها مغلقة، ومن قوة نظام الدولة فإن الثقة متوفرة في هذه البضائع المستلمة منها.. والفترة التي بين التسليم والتسلم لا يعرفون فيها شيئا ولا يراقبون فيها شيئا.

ذلك ما حدث مع إخوة يوسف.. جاءوا ببضاعتهم فأخذت منهم، ثم أخذوا مقابلها مغلقة.. ولم يكتشفوا أن بضاعتهم ردت إليهم إلا حين عادوا إلى الشام.. ظلت البضائع التي تسلموها مغلقة مأمونة محفوظة حتى فتحوها في بلادهم.. هناك ثقة بما قد خُتِم بختم الدولة.

كان يوسف يملك أن يقول لفتيانه (اجعلوا بضاعتهم في رحالهم) فيضعها الفتيان دون أن يكون لأحدهم أن يكتشف هذا.

ب. ويظهر كذلك في اقتراح يوسف لحل مشكلة المجاعة.. فالدولة التي تستطيع الحفاظ على تخزين الحبوب والغلال، وعلى إبقاء بعضها إلى سبعة أعوام هي دولة ذات نظام قوي.. وذلك في أزمنة قديمة ليست فيها القدرة الحالية التي تمتلكها الدول من أنظمة وأساليب المراقبة والمتابعة.

جـ. ويظهر في قوله (اجعلني على خزائن الأرض إني حفيظ عليم).. إن مهمة إدارة الخزانة المصرية مهمة كبرى تحتاج إلى كفاءة وموهبة وعلم (عليم) فوق حاجتها إلى الأمانة (حفيظ).

د. ويظهر أيضا في قول يعقوب (لا تدخلوا من باب واحد وادخلوا من أبواب متفرقة).. فالغرض الواحد (الاستبضاع) عند الوزراة المقصودة (وزارة المالية، أو التموين) يُفتح له أكثر من باب، ويدخل له أقوام من أبواب متفرقة.. ولا يؤثر هذا على النظام، فلا يحدث اضطراب أو ارتباك.. بل يقضي المرء مهمته سواء دخل هو وجماعته من باب واحد معا أو دخل كل واحد منهم من باب غير الآخر.

هناك أمور أخرى خطرت لي أثناء القراءة لكن تاهت مني لما لم أسجلها.. لكن فيما مضى مفهوم وبيان للقصد.

والدرس العملي الذي نستفيده من هذا أن أي إصلاح (خصوصا في مصر) لا يمكن أن يكون دون (السيطرة) على هذه (الدولة).. هذه الدولة العريقة الموغلة في القدم والتي صبغت حياة الناس فيها بحيث لم تعد في البلاد عصبيات يمكنها مواجهة السلطة كما هو الحال في عموم البلاد الأخرى.


نعم، أعرف أني كررت هذا المعنى كثيرا، ولكن لا بأس بتكراره مرة أخرى.. أصلا لا معنى لأي شيء لا يمكن الاستفادة منه عمليا.

السبت، يونيو 17، 2017

مسألة تيران وصنافير ببساطة


1. إسرائيل لها حق وحرية الملاحة في خليج العقبة منذ 1956.. أي نعم، منذ عهد الرئيس التعيس المهزوم الملعون السفاح جمال عبد الناصر.

2. السبب المباشر لنكبة 67 أن هذا التعيس أغلق مضيق تيران، وطلب مغادرة القوات الدولية التي تحفظ حق الملاحة فيه.. أي أنه هو الذي أعلن الحرب.. وبالرغم من هذا فقد تلقى صفعة تاريخية، وحققت إسرائيل أسرع توسع في التاريخ منذ الفتوحات الإسلامية، وابتلعت أضعاف مساحتها هي (تخيل دولة تبتلع أضعاف مساحتها في ساعات!)

3. بعد قصة السلام مع إسرائيل، صار لإسرائيل حق الملاحة في قناة السويس.. صحيح يتوقع المصريون أن القناة تعمل بإدارة وإشراف مصري، ولكن هذا ليس صحيحا، الواقع أن قناة السويس تعمل كمر دولي ويتولى تأمينها شركات أجنبية بينها شركة إسرائيلية.

(يعني إسرائيل تبحر بمزاجها في خليج العقبة والسويس معا)

إذن.. ما الجديد في نقل تبعية الجزيرتين للسعودية؟!

1. لا جديد بالنسبة لإسرائيل إطلاقا لا في مسألة الملاحة ولا في مسألة الحدود الدولية ولا الممر المائي.. فهي بحكم التاريخ والواقع والنفوذ وحتى القانون الدولي لها (الحق) في الإبحار في الخليج منذ ستين سنة.

2. لا جديد كذلك بالنسبة للسعودية التي لن تفعل شيئا بالجزيرتين، ولو كانت أرادت أن تفعل شيئا لألقت ببعض المال للسيسي وفعلت ما تريد.. والسيسي من جهته لا يمانع، ولدينا طابور طويل من القوانين التي أصدرها لتسمح للأجانب بالتملك في سيناء نفسها.

3. لا جديد أيضا بالنسبة لإسرائيل التي تستطيع بحكم الواقع أن تنشيء ما تشاء من خط تجاري أو قناة مائية بين العقبة وساحل المتوسط.

(لكن بالله عليك اعلموا أن إنشاء إسرائيل لقناة مائية مستحيل.. وأصلا لا توجد دولة تصنع ممرا دوليا في أرضها.. الدول التي فعلت ذلك فعلته وهي تحت النفوذ الأجنبي كما في قناة بنما.. أو فعلته وهي مخدوعة مستباحة كما في قناة السويس وخدعة ديليسبس.. القنوات المائية ضربة في صميم الأمن القومي لأي بلد) (في آخر البوست مقالات عن أخطار وأضرار قناة السويس إذا أحببت أن تتوسع).

4. طبعا مسألة حق السعودية في الجزر هذا تخريف تاريخي أبله، وأحسن تعبير عنه قرأته في بوست على الفيس لا أعرف للأسف صاحبه "رجعت للتاريخ لأسأل عن الجزر هل هي مصرية أم سعودية؟ فلم أجد السعودية!".

وطالما كانت مصر تحكم الحجاز، وتحكم الجانب الشرقي للعقبة حتى عام 1906، حين اشتبك السلطان عبد الحميد الثاني مع الاحتلال الإنجليزي على حدود سيناء في إطار مشروعه لبناء خط السكة الحديد.. وكاد الأمر يتطور إلى حرب حقيقة وتحرك الأسطول الإنجليزي.. حتى تم ترسيم حد سيناء الحالي (الخط الواصل من رفح إلى رأس خليج العقبة)

هذه الحادثة مشهورة باسم أزمة طابة أو أزمة العقبة 1906، وكتب كرومر في مذكراته أنها يمكن أن تكون شرارة ثورة لأن مصطفى كامل وكافة التيار الوطني -عبر صحف اللواء والأمة والظاهر- اتخذوا موقف تسليم سيناء للدولة العثمانية نكاية في الاحتلال الإنجليزي (طبعا ده موقف صادم للذين يظنون أن مصطفى كامل "وطني" بالمعنى العنصري الذي درسناه في المدارس.. لكن يمكنك أن تبحث بنفسك).. مما دفع الإنجليز لإحياء قانون المطبوعات لإغلاق هذه الصحف.

5. وآخر تطور للجزيرتين أن مبارك حولهما إلى محميات طبيعية بحيث لا يسكنهما أحد فيمكن أن يؤذي إسرائيل.. فالجزر عمليا وواقعيا تحت السيادة الإسرائيلية؟

إذن نرجع للسؤال.. ما الجديد؟ لماذا نقل جزيرتين من سيادة اسمية شكلة مصرية إلى سيادة اسمية شكلية سعودية؟
لا جديد إلا أن السعودية صارت ضمن فريق حرس الحدود الإسرائيلية، وهذا يساوي دخولها في علاقات مع إسرائيل (وقد تسرب قبل سنة توقيع محمد بن سلمان على الملحق الأمني الخاص بكامب ديفيد في العقبة في زيارة سرية).. وبهذا وحده تفسر حضور إسرائيل في كل المباحثات (لو لم تسمع تسريب مكالمة وزير الخارجية المصري التي يراجع فيها بنود الاتفاقية مع المستشار القانوني للحكومة الإسرائيلية فابحث عنه واسمع).

هذا إذن فتح باب واسع للعلاقات السعودية الإسرائيلية، سيترتب عليها علاقات أمنية وسياسية واقتصادية.. ومن المهم أن نلاحظ أن ظهور القضية كان في لحظة ظهور محمد بن سلمان، والتغير السعودي المفاجئ من جهة السيسي الذي كان مطلع عهد سلمان.

تأمين توريث العرش لابن سلمان هو المتغير الوحيد -فيما أعلم- الذي يفسر السياسة السعودية.. وهو مطلب في جيب الأمريكان، والطريق إلى الأمريكان يمر عبر الإسرائيليين.. وفي الطريق إلى إسرائيل وأمريكا يحدث كل ما نشاهد ونسمع.

-----------
مقالات قناة السويس:
ماذا تعرف عن أخطار وأضرار قناة السويس
http://melhamy.blogspot.com/2015/07/blog-post_26.html
قناة السويس، وكيف تضحي مصر بنفسها لأجل الأجانب
http://melhamy.blogspot.com/2015/08/blog-post.html
ماذا قال المؤرخون الأجانب عن قناة السويس
http://melhamy.blogspot.com/2015/08/blog-post_6.html
فصل من قصتنا مع الشرعية الدولية
http://melhamy.blogspot.com/2015/08/blog-post_8.ht


الخميس، يونيو 15، 2017

كيف نعالج الفتور وننشط للعشر الأواخر؟

كيف نعالج الفتور ونجدد النشاط لاغتنام العشر الأواخر؟!

أحسن ما سمعت في هذا الأمر كان كلام شيخنا الكبير الأسير البصير حازم أبو إسماعيل، فقد قال –فك الله أسره ومتعنا به- أن علاج الفتور ليس في مجرد الضغط والمجاهدة، وإنما مفتاح العلاج في رفع درجة الاستعداد القلبي للعبادة، ذلك أن القلب الذي يشعر بالفتور لا يفلح معه كثيرا الضغط عليه بالمزيد من عبادات الجوارح، وإنما يحتاج إلى تدريبات تأهيل.

تدريبات التأهيل هذه تستهدف إيقاظ القلب من مشاغله اليومية المتكررة التي تملك عليه أمره، لا بد أن يأخذ القلب بعض الجرعات التي تنتزعه من حاله هذا إلى حال آخر ليتحول إلى مقبل على العبادة حريص عليها.. كيف ذلك؟

يكون هذا بزيارة المستشفيات، فيها يرى المرء صورة المرضى أصحاب الكرب والألم والمعاناة، فيشهد ما هم فيه من التعب، فيشهد ما هو فيه من النعمة ولذة الصحة والعافية، ويعرف بها حقارة الدنيا ونقصان لذتها، وقرب زوال نعيمها، فالمرض يأتي فجأة، والحوادث تقع فجأة، والحريق يشتعل فجأة.. وما بين لحظة وأخرى تغير حال هؤلاء إلى حال آخر.

ويكون هذا بحضور الجنازات، وحضور لحظة إنزال القبر، ورؤية الأجساد التي كانت تنطلق حية متحركة وقد صارت جثة، يحملونها ويضعونها ويقلبونها فلا تملك لنفسها نفعا ولا ضرا، لا تملك حتى أن تنطق أو تعترض أو تقاوم أو تعبر عن رغبة، قد ذهب عنها كل شيء، وصارت من أهل الآخرة، انقطع بها العمل وهي الآن في أو منازل المساءلة.. بعد لحظات سيبدأ السؤال والحساب، وبعد قليل سيبدأ الجسد الرقيق المنعم المعطر يعانق التراب ويسرح في أرجائه الدود، وما هي إلا أيام وشهور حتى ينتهي كل شيء، وتصير الروح إما في الجنة أو في النار.

ويكون هذا بزيارة اليتامى، والفقراء، والمحتاجين.. المسح على رأس يتيم، وإسعاد محتاج، وتفريج الكربة عن صاحب الضيق.. في سماع شكاوى الناس وحاجاتهم ينبت شعور الحقيقة، الحقيقة بقيمة هذه الدنيا وقلة شأنها، وأنها تقلب من حال إلى حال، ولا يملك المرء إنقاذ نفسه في الدنيا إلا باللجوء إلى الله، ثم لا يملك إنقاذ نفسه في الآخرة إلا إن زهد في الدنيا وعرف قيمتها ومنزلتها، فلم يتعلق بها ولم يحرص عليها، ولم يبع في سبيلها دينه وأخلاقه.

ويكون هذا بالجلوس إلى بعض الصالحين، ففي بيئة الصالحين اختلاف واسع عن بيئة عموم الناس، هناك قوم يحرصون على العبادة ويجتهدون فيها، يسمعون الآية فتسيل دموعهم، يعظمون شأن القرآن وشأن النبي وشأن العمل الصالح، يتسابقون في الخيرات.. في بيئة الصالحين تنافس من نوع آخر، وأساليب حياة أخرى، منهم من فُتِح عليه في باب العلم فهو يتكلم كأن كتاب الله وسنة نبيه محفوظة في صدره تملأ عليه روحه، ومنهم من فُتِح عليه في باب الإنفاق فهو كالريح المرسلة ينفق بغير حساب، ومنهم من فُتِح عليه في باب الصلاة فهو يحب القيام ويطيل الوقوف حتى تحسبه قد انعزل عن الدنيا وخرج منها، ومنهم من فُتِح عليه في قراءة القرآن فهو عاكف عليه كما يعكف الواحد منا على هاتفه المحمول له في قراءته شغف ولهفة ومتعة، وهكذا.. ثم إن الجلوس مع الصالحين مظنة نزول الرحمات والبركات، ففي الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:

"إن لله تبارك وتعالى ملائكة سَيَّارة (أي: تسير في الأرض) فضلا يتبعون مجالس الذكر فإذا وجدوا مجلسا فيه ذكر قعدوا معهم، وحَفَّ (أي: أحاط) بعضهم بعضا بأجنحتهم حتى يملؤا ما بينهم وبين السماء الدنيا، فإذا تفرقوا عرجوا وصعدوا إلى السماء، قال: فيسألهم الله عز وجل -وهو أعلم بهم- من أين جئتم؟ فيقولون: جئنا من عند عباد لك في الأرض يسبحونك ويكبرونك ويهللونك ويحمدونك ويسألونك. قال: وماذا يسألوني؟ قالوا: يسألونك جنتك. قال: وهل رأوا جنتي؟ قالوا: لا أي رب. قال: فكيف لو رأوا جنتي؟! قالوا: ويستجيرونك. قال: ومم يستجيرونني؟ قالوا: من نارك يا رب. قال: وهل رأوا ناري؟ قالوا: لا. قال: فكيف لو رأوا ناري؟! قالوا: ويستغفرونك. قال: فيقول: قد غفرت لهم فأعطيتهم ما سألوا وأجرتهم مما استجاروا. قال: فيقولون: رب فيهم فلان عبد خطَّاء إنما مر فجلس معهم. قال: فيقول: وله غفرت هم القوم لا يشقى بهم جليسهم".

والمقصود من إيراد الحديث هو هذه الجملة الأخيرة، أن من جالس الصالحين ولو لحاجة أو غرض شملته الرحمة والمغفرة ببركة جلوسه معهم.

ثم إن كل إنسان يعرف من نفسه ما الذي يؤثر فيه ويحرك نفسه، فمنهم من يؤثر فيه سماع القرآن من شخص بعينه، ومنهم من تحركه خطبة شيخ بعينها، ومنهم من إذا زار أخا له بعينه ذكَّره بالله فيلين قلبه.. وهكذا!

المهم أن الحل الأمثل في إنقاذ القلب وإيقاظه لاغتنام العشر الأواخر لا يكون فحسب بمجرد الضغط بزيادة عبادات الجوارح، بقدر ما يحتاج القلب إلى مثل هذه العبادات التي ترفع من درجة يقظته واستعداده، فيسهل عليه أن يقوه بعبادات الجوارح من صلاة وتلاوة وقرآن وجهاد أيضا!

لا يجب أن يغيب عن البال أبدا أن الصحابة والتابعين لهم بإحسان إنما جاهدوا وفتحو البلاد في العشر الأواخر من رمضان، فلم يكن كل عبادتهم صلاة وصيام وقرآن، بل في هذه العشر الأواخر فُتِحت مكة، وفيها فتحت الأندلس، وفيها تم فتح عمورية، وفيها أوقف زحف المغول في عين جالوت، وفيها فُتِحت بلجراد، وغير ذلك من الفتوحات.

الأربعاء، يونيو 07، 2017

يوم الأحزاب في قطر

قال ابن حزم الأندلسي عن ملوك الطوائف:

"والله لو علموا أن في عبادة الصلبان تمشية أمورهم لبادروا إليها، فنحن نراهم يستمدون النصارى فيمكنونهم من حرم المسلمين وأبنائهم ورجالهم يحملونهم أسارى إلى بلادهم، وربما يحمونهم عن حريم الأرض... وربما أعطوهم المدن والقلاع طوعاً فأخلوها من الإسلام وعمروها بالنواقيس، لعن الله جميعهم وسلط عليهم سيفاً من سيوفه".
(رسائل ابن حزم 3/176)

وهذا الذي توقعه ابن حزم حدث بعد موته، ففي زمن انهيار الأندلس نهاية عصر الموحدين، تنصر اثنان من أمرائهم هما أبو عبد الله البياسي أمير إشبيلية، وأخوه أبو زيد عبد الرحمن الموحدي أمير بلنسية، وتحالف ابن عمهما مع أبو العلا إدريس مع فرناندو الثالث ملك قشتالة الذي اشترط عليه أن يبني كنيسة للنصارى في مراكش وأن يتنازل عن عشرة حصون يختارها هو بنفسه وإذا أسلم نصراني يُرَدُّ إلى أهله، وإذا تنصر مسلم فلا سبيل لأحد عليه!

(1) اعترافات ودلائل

لا أدري حين ينشر هذا المقال إلى أي مدى ستكون الأزمة قد بلغت، فإن القوم اجتمعوا اجتماع الأحزاب قديما، يهود في موقع التحريض والتدبير وأعراب في موطن التحشيد والتحزيب، ومنافقون في مقام الشماتة والترقب، حتى قنوات الضرار تقوم بدور الشعراء قديما.

على كل الأحوال، فضَّلت أن أضع في السطور القادمة أمورا لا ينبغي أن ننساها في أي وقت وعند أي مدى ستصل إليه الأزمة.

1. الرئيس الأمريكي ترامب: "في رحلتي الأخيرة للشرق الأوسط أوضحت أنه لا يمكن الاستمرار في تمويل الأيديولوجيات الراديكالية. أشار الزعماء إلى قطر. من الجيد رؤية زيارة السعودية مع الملك وخمسين زعيما آتت بالفعل ثمارها، قالوا إنهم سيتخذون خطا صارما ضد تمويل التطرف، لقد أشاروا جميعا إلى قطر. ربما يكون هذا بداية النهاية لرعب الإرهاب".
(حسابه على تويتر، 6 يونيو 2017)

2. وزير الخارجية السعودي عادل الجبير: "طفح الكيل وعلى قطر وقف دعم جماعات مثل حماس والإخوان"
(العربية، 6 يونيو 2017)

3. السفير الإسرائيلي السابق في أمريكا مايكل أورين: "خط جديد يُرسم في رمال الشرق الأوسط، لم تعد إسرائيل ضد العرب، وإنما إسرائيل والعرب ضد قطر ممولة الإرهاب".
(حسابه على تويتر، 5 يونيو 2017)

4. مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جدة عبد الحميد حكيم: أعتقد أن هناك خطة سياسية تتبناها المملكة العربية السعودية والإمارات ومصر وخاصة بعد قمة الرياض التي جاءت في أول زيارة لإدارة جديدة في البيت الأبيض إلى المملكة العربية السعودية، لن يكون هناك أي مكان في سياسات هذه الدول للإرهاب أو للجماعات التي تستخدم الدين لتحقيق مصالح سياسية مثل حماس والجهاد.
(القناة الثانية الإسرائيلية، 5 يونيو 2017)

(2) مختصر القصة

القصة ببساطة أن محمد بن سلمان يريد تأمين وراثة العرش السعودي وإزاحة محمد بن نايف، فالتقت أغراضه بمحمد بن زايد عدو بن نايف وزعيم الصهاينة العرب، فلم يجد الأخير صعوبة في إقناع الغلام الغر بأن باب الأمريكان المتحكمين في عرش السعودية مغلق من كل الأبواب إلا من جهة إسرائيل!

وإسرائيل لا تفتح الباب مجانا.. فاجتهد الاثنان في دفع الثمن المناسب.

في الطريق إلى إسرائيل جعلت السعودية من نفسها حارسا عربيا جديدا لعرش صهيون ضمن مجموعة الحراس العرب: المصري والأردني والفلسطيني والسوري، فاشترت السعوديتان جزيرتين مصريتين مقابل بعض المال يوضع في جيب السيسي وحاشيته وصارت بهذا من دول الطوق الحارسة لإسرائيل، وذهب محمد بن سلمان سرا إلى الأردن ووقع على الاتفاق الأمني الخاص بكامب ديفيد.

ثم حشدت السعودية الدول العربية في قمة البحر الميت، وكانوا قبلها بسنة واحدة يعجزون عن نصف اجتماع في قمة الرباط، لإعادة تجديد المبادرة العربية للسلام (!) لكن مع تغيير جديد، حيث كانت المبادرة القديمة تشترط على إسرائيل التراجع حتى خط 4 يونيو 1967 مقابل تطبيع عربي كامل، في ذلك الوقت قال شارون أنه يرحب بالتطبيع ولا يرحب بالانسحاب فتعرقل الموضوع وسكت. الآن قبلت المبادرة ما أراده شارون في قبره، تطبيع بلا انسحاب! وعلى هذا ختم المجتمعون في قمة البحر الميت!

في الخلفية كان مشايخ السلطة يعزفون على وتر: "الشيعة أخطر من اليهود"! وما كان ذلك محافظة على السنة –حاشاهم- بل محافظة على إسرائيل التي تتنافس مع إيران على زعامة المنطقة. وبعد قليل سيهتف نفس المشايخ: الإخوان وحماس أخطر من الشيعة واليهود!!

ولكي تكتمل الجهود ويُدفع الثمن اشتعلت في السعودية حرب حقيقية على كافة من يمكن أن يقف أمام هذا التحول، حتى أغلقت هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وسُجن شيوخ بعضهم غير محسوب على المعارضة (شيوخ المعارضة في السجون والعذاب منذ زمن قديم كما هي عادة الأنظمة العربية)، فضلا عن تمكين وترسيخ الليبراليين من منافذ الإعلام والصحافة والثقافة والتعليم، وفُتِحت البلاد على تغيير ثقافي واجتماعي بقاطرة اقتصادية، تبشر بجنة عرضها من البحر إلى الخليج عام 2030، هذا مع أن الحال يزداد سوءا للمواطنين والعاملين، فلئن قُدِّر جدلا أن تصل السعودية إلى تلك الجنة فستكون قد وصلتها بعد أن انخلعت من الدين على غرار جارتها الإمارات!

ثم جاء القيصر..

لما جاء ترامب، أخذ أموالا طائلة تتعب في حسابها العدادات، واطمأن على مسألة العلاقات مع إسرائيل، وخطب في القادة العرب فلم يذكر تسوية فلسطينية وإنما ذكر حماس كإرهابية، ثم طار إلى إسرائيل يبشرهم بأنه وجد أجواء مختلفة، وأن العرب لا يحملون عداء تجاه إسرائيل وإنما تجاه إيران.. فلو كان ينطق بلسان المتعممين لقال لهم: "تركتهم يقولون: الشيعة أخطر من اليهود"!

(3) قطر كمشكلة

الثمن الذي تريده إسرائيل لا بد يمر على قطر، هناك مكتب حركة حماس، وهناك بعض المشايخ وقادة العمل الإسلامي الذين لا زالوا غير مقتنعين بأن الشيعة أخطر من اليهود، أو هم على الأقل إن اضطروا لمعاداة الشيعة فإنما يفعلونها من واجب الحرص الحقيقي على أهل السنة، وهو حرص لن يدفعهم بحال إلى التطبيع مع إسرائيل أو نسيان الملف الفلسطيني!

ولظروف يعرفها الجميع فإن طبيعة السياسة القطرية تعتمد على القوة الإعلامية وعلى علاقاتها الممتازة مع الإسلاميين، وهؤلاء سيتسببون في صداع حين يأتي وقت تنفيذ الخطة التي لا تزال يمهد لها سرا من سنين، والمتلخصة في طرد الغزاويين إلى سيناء (وهي مهمة السيسي) ومزيد تفريغ الضفة الغربية إلى الأردن (وهي مهمة الأردن التي تنشيء منطقة صناعية على الحدود سيكون أخطر آثارها تفريغ البشر بسحبهم الاقتصادي ثم الاجتماعي).. وفيما يمكن تنفيذ خطة الضفة بهدوء وتمهل، فإن المهمة في غزة تحتاج ضربة قوية واجتياحا واسعا، ومثل هذا لا يتم على الوجه الأمثل في ظل وجود الجزيرة و"المتطرفين الإسلاميين"!

وهنا تظهر قطر كمشكلة.. فإنها إذا فرطت في قوتها الإعلامية وعلاقاتها مع الإسلاميين لم يعد ثمة مبرر لوجودها كدولة فاعلة، فلا بد إذن من أن يوضع هذا في مساومة مع وجودها كدولة.. ولذلك فإن قرارات مقاطعة قطر هي على الحقيقة إعلان حرب إلا خمسة! وربما يتطور هذا إلى إعلان حرب.. أو على الأقل دعم تنفيذ انقلاب في نظام الحكم! وهو الأمر الذي لا يمكن أن يتم بدون ضوء أخضر أمريكي.

لا تزال كل الاحتمالات مفتوحة، وقطر التي لم تتعرض لاختبار بهذا العنف من قبل لا يمكن توقع مدى صمودها ولا مدى ما تستطيع أن تقدمه من تنازلات لفك هذا الحصار، ولا يبدو أمامها باب مفتوح إلا باب إيران وتركيا، إيران بواقع الجغرافيا (وهي قد سارعت بفتح أبوابها منذ اللحظات الأولى) وتركيا بوجود قاعدتها العسكرية ومدى قدرتها على إدارة دور سياسي وعرقلة بعض المخططات.. وهو ما سيؤدي حتما إلى تراجعات قطرية في الملف السوري واليمني. على أنها لو استطاعت الصمود، لكان خروجها من هذه الأزمة رصيدا هائلا يُضاف لقوتها ومكانتها في المنطقة.


باختصار: المعركة ضد قطر الآن هي ذاتها المعركة ضد الإخوان في مصر وضد أردوغان في تركيا وضد حماس في فلسطين. هي إحدى معارك الأمة، بها يتمايز معسكران: أبناء الأمة وأعداؤها، ونتيجة المعركة إما إضافة مهمة وكبرى لرصيد الأمة وإما خسارة فادحة.