السبت، مارس 08، 2014

هل الجهاد دمار الأوطان؟!




بلغت حملات الغزو الفكري والتخريب المعرفي حدًّا عظيما، حدًّا يريد الفتك بفطرة الإنسان التي خُلِقت ورُكِّبت فيه، ومن أوجه ذلك التخريب المناداة على كل ثائر وكل مجاهد بأنه "يخرب الوطن، يدمر الاقتصاد، يدمر البلد... إلخ"، ومآل هذا الكلام –سواء أقصد القائل إليه أم لم يقصد- هو الرضا بحياة الأنعام: الذل والانقياد مع وفرة المرعى، أو بالأحرى: رجاء وفرة المرعى، رغم أن المرعى لا يخصب أبدا، ولا يزيده الذل والانقياد إلا جدبا.

ولأن الأمر فطرة إنسانية، فإنه يضطرد في سائر الأمم، وإليك أربعة أمثلة مختلفة في الزمان والمكان والدين والأحوال:

1. كانت فرنسا وبريطانيا ملوك البحار فيما قبل الحرب العالمية الثانية، أما الإنجليز فقد خسروا سلطانهم البحري على يد اليابانيين، وأما الفرنسيين فقد حرقوا أسطولهم بأنفسهم كي لا يقع في يد الألمان!

2. قبل ذلك بسنوات قليلة، لم يجد الروس شيئا يفعلونه أمام الإعصار الألماني المفاجئ الزاحف نحو أراضيهم إلا أن يخرج ستالين فيأمر الناس بالانسحاب من قراهم وإحراقها بكل ما فيها كي لا ينتفع بها الألمان، وكانت تلك أول وخزة في جسد الوحش الألماني المرعب، إذ اكتشفوا –ولأول مرة- أن روسيا ليست كغيرها، وأنهم قد يسيرون مئات الكيلومترات دون أن يجد قرية يتزودون منها بما يبلغهم التي بعدها، فكيف إذا وصلوها لم يجدوا شيئا إلا الرماد؟!!

3. قبل ذلك بقرون لم يجد بنو النضير مفرًّا من النزول على حكم النبي: الجلاء من المدينة، فصاروا يُخربون بيوتهم بأيديهم، فما استطاعوا حمله حملوه، وما لم يستطيعوا حمله أحرقوه، وفيهم نزل قول الله تعالى {يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ} [الحشر: 2]، وقد رأينا ذات الموقف يتكرر حين انسحبوا من سيناء ثم حين انسحبوا من غزة، إذ أحرقوا ما بنوه وخربوه بأنفسهم.

4. وبعدها بسنتين وقعت بنو قريظة في شر أعمالها، إذ انسحبت قريش وغطفان والأحزاب إلى مواطنهم، وبقي هؤلاء أمام المسلمين ينتظرون المصير المحتوم، يومئذ عرض عليهم زعيمهم وحكيمهم كعب بن أسد ثلاثة حلول:

- قال: نتابع هذا الرجل ونصدقه فو الله لقد تبين لكم أنه لنبي مرسل، وأنه للذي تجدونه في كتابكم، فتأمنون على دمائكم وأموالكم وأبنائكم ونسائكم. فرفضوا.

- قال: فإذا أبيتم علي هذه، فهلم فلنقتل أبناءنا ونساءنا، ثم نخرج إلى محمد وأصحابه رجالا مصلتين السيوف، لم نترك وراءنا ثقلا، حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك، ولم نترك وراءنا نسلا نخشى عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء. فرفضوا وقالوا: نقتل هؤلاء المساكين؟! فما خير العيش بعدهم؟!

- قال: فإن أبيتم علي هذه، فإن الليلة ليلة السبت، وإنه عسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا لعلنا نصيب من محمد وأصحابه غرة، فرفضوا.

فقال: ما بات رجل منكم ليلة من الدهر حازما.

ولما لم يكن أحد منهم حازما، كان مصيرهم بعد الذل والهوان والهزيمة: قتل الرجال وسبي النساء والذرية، وغنيمة الأموال.

فهذه أربعة أمثلة من القديم والحديث، لملاحدة ونصارى ويهود.. كلهم أتلف ما يملكه كي لا ينتفع به عدوه.

***

إن إتلاف الموارد كي لا ينتفع بها العدو أمر متكرر قامت به الأمم والجيوش والقادة –على اختلاف أزمانهم وأديانهم وأجناسهم وأحوالهم- دون أن ترى في هذا إضرارا بالوطن أو الأمة.. بل الحق أنهم فعلوا ذلك لإنقاذ الأوطان وإنقاذ الأمة!

وهذه الفطرة التي هي الطبيعة الإنسانية، تتأكد لدينا بميزان الشرع، فالإسلام الذي جاء بعمارة الأرض وإصلاح شأن الناس ونهى عن الإفساد في الأرض، هو الإسلام الذي اتفق فقهاؤه على أنه "إذا دعت الحاجة إلى تخريب وإتلاف بعض أموال الكفار وتغوير الآبار لقطع الماء عنهم جاز ذلك، بدليل فعل الرسول صلى الله عليه وسلم يوم بدر حين أمر بالقُلَب (أي: الآبار) فغُوِّرَت"[1]، وقد كانت منطقة بدر واقعة ضمن نفوذ دولة الإسلام في المدينة.

كما اتفق الفقهاء أيضا على جواز قطع الشجر وإتلاف النبات في حالة الحرب، ذلك أن الرحمة بالبشر مقدمة على الرحمة بالشجر، والإضرار بالكافرين والمفسدين والمجرمين أولى من الإبقاء على الزرع والشجر، وكان دليلهم فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع يهود بني النضير حين أحرق النخيل، نقل ابن قدامة عن إسحاق أنه قال: "التحريق سنة إذا كان أنكى في العدو"[2]، وبنو النضير أيضا كانت ضمن دولة المدينة ونخيلها من أملاكها.

والأمثلة كثيرة لكن نكتفي بمثالين لاثنين من أعظم شخصيات المسلمين:

فهذا القائد الفذ العظيم المنصور بن أبي عامر، الذي يمثل ذروة التاريخ الأندلسي مجدا وحضارة، يندم عند موته على أنه في ذروة نهضته هذه لم يراعِ الضرورات الحربية، ذلك أن تعميره لسائر المدن الأندلسية بما فيها المدن على الحدود والثغور سيعطي فرصة للعدو في لحظات تفوقه العسكري أن يستعين بها في حصار المسلمين والتفوق عليهم، ولقد كان الأولى أن يترك هذه المناطق بلا عمارة لتكون مناطق عازلة بين المسلمين وعدوهم.

يروى حاجبه كوثر هذه المراجعة لما حضرته الوفاة إذ وجده يبكى فقال له: "مم تبكي يا مولاي؟ لا بكت عيناك. فقال: مما جَنَيْتُ على المسلمين، فلو قتلوني وحرقوني ما انتصفوا مني، فقال له: كيف ذلك؟ وانت أعززت الإسلام وفتحت البلاد وأذللت الكفر وجعلت النصارى ينقلون التراب من أقصى بلاد الروم إلى قرطبة حين بنيت بها جامعها؟ فقال: لما فتحت بلاد الروم ومعاقلهم، عمرتها بالأقوات من كل مكان، وسجنتها بها حتى عادت في غاية الإمكان، ووصلتها ببلاد المسلمين، وحصنتها غاية التحصين، فاتصلت العمارة، وليس في بَنِيَّ من يخلفني، وسيشتغلون باللهو والطرب والشرب، فيجيء العدو فيجد بلادا عامرة وأقواتا حاضرة فيتقوى بها على محاصرتها، ويستعين بوجدانها على منازلتها فلا يزال يتغلبها شيئا فشيئا، ويطويها طيًّا فَطَيًّا حتى يملك أكثر هذه الجزيرة، ولا يترك فيها إلا معاقل يسيرة. فلو ألهمني الله إلى تخريب ما تغلبت عليه وإخلاء ما تملكت، وجعلت بين بلاد المسلمين وبين بلاد الروم، مسيرة عشرة أيام فيافيا وقفارا، لا يزالون لو راموا سلوكها حيارى، فلا يصلون إلى بلاد الإسلام إلا بمشقة وكثرة الزاد صعوبة المرام. فقال الحاجب: أنت إلى الراحة إن شاء الله أقرب، فتأمر بهذا الذي رأيت. فقال له: هيهات! حال الجريض[3] دون القريض، والله لو استرحت وأمرت بما ذكرت، لقال الناس: مرض ابن أبي عامر فأورثه مرضه جنونا وهوسا تمكن من دماغه، فخرب بلاد المسلمين وأجلاهم وأقفرها"[4].

وبعده بنحو قرنين، اضطر صلاح الدين الأيوبي أمام هجمة الحملة الصليبية الثالثة أن يهدم أسوار عدد من المدن منها طبرية ويافا وأرسوف وقيسارية وصيدا وجبيل لما غلب على ظنه أن الصليبيين سيستولون عليها وأنه لا يستطيع صدهم عنها، فحرمهم من مزية الأسوار الدفاعية فلا يعتصمون بها، ثم اضطر إلى تخريب عسقلان –التي لقبها البعض بعروس الشام- حين لم يكن ممكنا الدفاع عنها وعن القدس في ذات الوقت.

***

والخلاصة: أن تحرر الأوطان واستقلالها أهم من عمارتها، وأن البشر يقبلون خوض الحروب من أجل الحرية والكرامة والاستقلال وإن مسَّت الحرب عمرانهم وأوطانهم بالسوء، ومما هو جدير بالتأمل أن الأمم تتذكر أبطالها المحاربين المقاتلين وتخلدهم أكثر ما تتذكر بنائيها ومهندسيها، رغم أن الميزان المادي يجعل الأولين مخربين والآخرين معمرين.

هذه الفطرة التي تستقر عند كل البشر يُراد لأمة الإسلام، وهي خير الأمم، أن تنتكس فتتخلى عنها، فتقبل بالاحتلال وهيمنته ووكلائه المستبدين المجرمين، فلا تجاهدهم في حرب ولا تشعل في وجوههم ثورة، وتنطلق الأصوات المفزوعة المرعوبة تحذر الناس من التخريب والتدمير وتراجع الاقتصاد وانهيار مؤشرات البورصة وضعف فرص الاستثمار وقلة الوظائف ... إلى آخر هذا الهراء الذي لا يفكر فيه إنسان حر إلا حين تكون له كرامة واستقلال!

أما الحرص على كل هذا تحت الاحتلال أو تحت الاستبداد فتلك هي عيشة الأنعام والبهائم، وهي أمر لا تقبله أمة على نفسها، فكيف إذا كانت خير الأمم!

ثم ما هي الأمة إن لم تكن البشر؟! وما هي الأوطان إن لم تكن حرة مستقلة غير مقهورة ولا مستعبدة؟!

***

قال أحمد مطر:

نموت كي يحيا الوطن؟

يحيا لمن؟

لابن زنى

يهتكه.. ثم يقاضيه الثمن؟!

لمن؟

لاثنين وعشرين وباء مزمنًا

لمن؟

لاثنين وعشرين لقيطًا

يتهمون الله بالكفر وإشعال الفتن

ويختمون بيته بالشمع

حتى يرعوي عن غيه

ويطلب الغفران من عند الوثن؟!

تف على هذا الوطن!

وألف تف مرة أخرى!

على هذا الوطن

من بعدنا يبقى التراب والعفن

نحن الوطن!

من بعدنا تبقى الدواب والدمن

نحن الوطن!

إن لم يكن بنا كريمًا آمنًا

ولم يكن محترمًا

ولم يكن حُرًّا

فلا عشنا.. ولا عاش الوطن!



[1] الموسوعة الفقهية الكويتية 1/89.
[2] ابن قدامة المقدسي: المغني 10/501.
[3] الجريض: أي الغصة، وهو مثل يقال عما فات وقته.
[4] ابن الكردبوس: الاكتفاء في أخبار الخلفاء، تحقيق: د. أحمد مختار عبادي، مجلة المعهد المصري للدراسات الإسلامية، مدريد، العدد 13، ص64 وما بعدها.