الجمعة، مارس 20، 2015

مراجعات إسلامية عامة واجبة

بعد استعراض تاريخي واسع وطويل زاد عن 600 صفحة محشورة الكلمات ضيقة الهوامش، استخلص المنظر الجهادي الأبرز أبو مصعب السوري معادلات الصراع عبر تاريخ الأمة، فجعلها على هذا النحو:

* الحملات الصليبية الأولى:

1. أمة الصليب × أمة الإسلام = انتصرت أمة الإسلام

* الحملات الصليبية الثانية (مرحلة الاستعمار القديم 1800 - 1970) أسفرت عن معادلتين، واحدة للأمة وواحدة للصحوة الإسلامية:

2. أمة الصليب + أمة اليهود × أمة الإسلام = انتصرت أمة الإسلام (رحل الاستعمار)

3. أمة الصليب + أمة اليهود + الحكومات العميلة × الصحوة الإسلامية = هُزِمت الصحوة (وخرجت الأمة من المعركة)

* الحملات الصليبية الثالثة (المرحلة الأمريكية 1990 - 2003)

4. أمة الصليب + أمة اليهود + الحكومات العميلة + المنافقين "علماء السوء ومن فسدوا من قيادات الصحوة" × التيار الجهادي = هزيمة التيار الجهادي وشلل الصحوة (وبقيت الأمة خارج المعركة)

[يراجع كتابه: دعوة المقاومة الإسلامية العالمية ص626]

وخلص من هذه المعادلات الأربع إلى ضرورة حشد الأمة كلها في المعركة، وإلا فإن الصحوة ستهزم أمام تحالف الكفر (اليهود والصليبيين وباقي الكافرين) والردة (الأنظمة المحلية والمنافقين).

ومن يعرف بعضا من تاريخ الحركات الإسلامية، يعرف أنه ربما لم تمر تجربة فشل واحدة إلا وكان من فصولها تخلي بعض أجنحة الإسلاميين عن بعض، وربما زاد بعضهم في فساده فتحالف مع الأنظمة الحاكمة ضد الآخر، والمثال السائر الأشهر: أن يُضرب الجهاديون بالإخوان ثم يُضرب الإخوان بالسلفيين، ثم يُضرب السلفيون بالمداخلة والصوفية.. وهؤلاء أولياء النظام ولو استعلن بالكفر.

وفي الأيام السابقة طالعت مقالا بديعا للمنظر الجهادي المجهول شخصا والمشهور على تويتر "عبد الله بن محمد" (شئون استراتيجية) يتحدث فيه عن "حروب العصابات السياسية" ويؤكد فيه على معنى ألا تنفصل الحركات الجهادية عن الشعوب ولا عن الثورات.. وألا تسعى للانفراد بالمشهد ولا الاستئثار به، وإلا كررت تاريخ الفشل الطويل.

وألحق عبد الله بالمقال استدراكات أخرى ردا على ما ورد عليه:

ثم علق على مقاله أبو محمد الصادق، الشرعي العام لحركة أحرار الشام، ببعض تغريدات يؤكد فيها على الفكرة المطروحة، ويأسى لما حل بالشام من الفساد الذي أنزله "تنظيم الدولة" بالثورة السورية حتى كاد يذهب ثمرته على الجملة

ثم جاء تعقيب آخر من رجل آخر من أشهر منظري الجهاد القدماء وهو أبو قتادة الفلسطيني، فاتفق مع صاحب المقال في الفكرة ثم خالفه في التفاصيل والظروف وبعض التحليلات الجزئية.. ولم يفته أن يتحسر على حال جهاد الشام وما نزل به من غلو "تنظيم الدولة"

والكلام السابق كله هو حصيلة خبرة جهادية عريقة، إما بالمشاركة الفعلية أو المتابعة عن كثب.. وأسوأ ما يمكن أن يُعامل به هذا الكلام أن يأتي شاب حدث متضخم الأحلام والأوهام مشتعل الحماسة فيلقي بهذا كله خلف ظهره، معتقدا أنه لا شيء غير السيف والبأس!

فهذا فعل من يسوق نفسه وأهله وأمته إلى التهلكة بجهله واستكباره وغلوه.

إن الحركات الإسلامية جميعا مدعوة للتعلم من أخطائها وماضيها، ونحن في لحظة قد ثبت للجميع أنهم -وحدهم- لم يستطيعوا عمل شيء حقيقي وحاسم على مستوى الأمة.

فأما السلفيين فهم في تيههم الكبير، لا يعرفون من طرق التغيير إلا الجلوس في المساجد وممارسة التدريس والوعظ ولا يستطيعون حتى تصور ملامح طريق إعادة الإسلام إلى واقع الحياة.. ومن استفاق منهم على ثورة لم يفعل شيئا إلا أن جعل نفسه مطية للطغاة ومسخرة للإعلام ومهزلة في المواقف، لا يدري ما يفعل ولا يتبصر الحق من الباطل، وأحسن أحوال هؤلاء من سكتوا وصمتوا وعادوا إلى بيوتهم معتزلين.

وأما الإخوان فقد أحاطتهم الأنظمة المحلية والنظام العالمي بمكره حتى صاروا -فيما عدا حماس.. وفي انتسابها للإخوان بعض نظر ليس هذا محله- فوقع بعضهم في الخيانة كما في الجزائر والعراق وتونس، أو ظل لعبة بيد النظام كما في الأردن والمغرب ودول الخليج، أو اختفى منهزما كما في ليبيا وسوريا والعراق قبل الاحتلال. أو ظل محلك سر لا يهتدي طريقا للتغيير كما في مصر ولبنان.

ولم يتحرك الموقف في أي من هذه البلدان إلا بعد أن طرأ جديد خارج منهجهم وطريقهم وتوقعاتهم: ثورة أو احتلال أو تغير في النظام.. فها هنا ظهر لهم ثقل وأثر ودور في توجيه الأحداث.

وأما الجهاديين فأبرز مشاهدهم أنه لم تكتمل تجربة واحدة جهادية، وأنهم لم يستطيعوا بدء حركة في أرض يتمكن فيها النظام المعادي لهم، وغاية ما فعلوه أن ظهروا في أرض قد تخلخلت فوقها سيطرة النظام الحاكم إما بثورة أو احتلال أو في أرض وعرة الجغرافيا كثيرة المخابئ يستطيع فيها المجاهد أن يختبئ حتى يعود فيضرب ضربة خاطفة -وفي الأغلب ضعيفة وغير مؤثرة- بين كل حين وآخر.

وإذن، فالجميع يعرف أن طريقه في التغيير لم يفض إلى شئ حقيقي إلا بوجود عامل خارجي (ثورة شعبية، احتلال أجنبي، تغير في سياسة النظام).. وهذا وحده دليل على "نقصان المنهج" عند كل فئة منهم، فلو أنه منهج صحيح كامل لاستطاع إيجاد طريق لا يحتاج فيه للمؤثر الخارجي.

لا شك أنه لا بد من الوصول إلى هذه القناعة أولا، وإلا فلن يكون ثمة تفكير في البحث عن موطن الخلل ولا السعي في علاجه ولا النظر بعين التدبر والاعتبار فيما بين أيدينا من القرآن والسنة والتجارب الماضية..

وهذه لحظة تدفع الأمة وحركاتها ضريبة الفشل من دمائها وأرواح أفضل أبنائها.. فلا مجال للمقايضة ولا التفريط.