الثلاثاء، أكتوبر 20، 2015

قراءة في كتاب الفلسفة السياسية لأحمد داود أوغلو (2)

§         اسم الكتاب: الفلسفة السياسية
§         المؤلف: د. أحمد داود أوغلو
§         المترجم: د. إبراهيم البيومي غانم
§         تقديم: د. محمد عمارة
§         دار النشر: مكتبة الشروق الدولية، القاهرة
§         سنة النشر: الطبعة الثانية، 2006م.
§         عدد الصفحات: 77.
§         نشر الأصل الإنجليزي لهذا الكتاب في عام 1993م، بعنوان (Alternative Paradigms: The Impact of Islamic and Western Weltanschauungs on Political Theory) ومعناه "النموذج البديل: أثر التصورات الوجودية الإسلامية والغربية على النظرية السياسية".

ذكرنا في المقال السابق طبيعة الكتاب ونظريته العامة، وقلنا بأن الكتاب ينقسم إلى بابيْن؛ الأول: يتحدث عن التناقض الأصيل بين الرؤية الإسلامية والرؤية الغربية، والثاني: يتحدث عن أثر هذا التناقض على مجال النظام السياسي تحديدا وإن كان يلامس –بطبيعة الحال- مسائل الاقتصاد والاجتماع والثقافة. وقد عرضنا في المقال السابق للباب الأول فيُرجى الرجوع إليه أولا، ثم ندلف الآن لنعرض الباب الثاني.

وأعيد التنبيه إلى أني أستهدف التبسيط في هذا العرض للكتاب ذي اللغة الفلسفية الصعبة، ولهذا لا ألتزم بلفظ المؤلف سعيا لتقريب معناه.

يرصد المؤلف خمسة آثار من تناقض الرؤية الإسلامية مع الرؤية الغربية في المجال السياسي هي:

1.    مبرر وجود النظام السياسي

حيث أن الفلسفة الغربية لا تملك رؤية إلهية للوجود وإنما تعتمد على الاستقراء ومحاولة تأمل وفهم الواقع، فإن نظرتها إلى الدولة انقسمت إلى اتجاهيْن: اتجاه يحاول فهم "أصل الدولة" وينطلق منه، واتجاه يحاول تحديد "هدف الدولة" ليصل إليه.

فالاتجاه الذي يحاول فهم "أصل الدولة" يضعها ضمن تصوره الكلي الوجودي عن الطبيعة وقوانينها ونظامها، فكل تصور قائم على أن الطبيعة تستطيع تنظيم نفسها وتكييف نفسها وضع تصوره حول "أفضل وضع للدولة يمكن تطبيقه"، وهنا لا يبقى مكان للقيم والوضع المثالي، إذ غاية الممكن هو فهم قوانين الطبيعة وإنشاء نظام سياسي منسجم معها، حتى لو كان مخالفا أو مناقضا للقيم والأخلاق. وضرب المؤلف مثالا على هذا بأرسطو (إذ تقوم فلسفته على أن الإله صنع الكون ووضع فيه قوانينه ثم تركه كصانع الساعة) ويتفق معه هيوم وكانط (فالإله عندهما فكرة مجردة) ولذلك تتحد نتائج هذه الفلسفات مع نتائج الفلسفات الإلحادية كما عند هولباخ وديدرو. وكل فكرة تقوم على وجود قوانين طبيعية منفصلة عن الإله تسوق إلى منهج سياسي لفهم هذه القوانين وتطبيقها كما هي لا لتوجيهها نحو قيم وأخلاق ومُثُل.

وأما الاتجاه الذي يحاول فهم "هدف الدولة" فقد بدأ بالبحث عن القيم التي ينبغي للدولة أن تحققها في الفلسفة الرواقية والأبيقورية الجديدة والمسيحية، لكن حيث كانت هذه الفلسفات وضعية وأرضية واصطبغت بنماذج امبراطورية كالامبراطورية الرومانية وممالك العصور الوسطى ثم الحقبة الحديثة، فإن "الإنسان" هو الذي كان متحكما بوضع وصياغة هذه القِيَم والمثل، ولذلك نشأت علمنة المعرفة وأنسنة المعرفة، وصار مفهوم "السعادة الدنيوية" هو الهدف المحرك للنظام السياسي. ولذلك ظهرت فلسفات الفردية والليبرالية والبرجماتية والنفعية واللذة وغيرها.

بينما النظام السياسي الإسلامي منطلق من رؤية تعتنق أن الله تعالى إله خالق عليم مهيمن مدبر لأمر هذا الكون، ويقوم كل النظام السياسي على هدف إرضاء الله وتطبيق ما أمر به، فالنظرية السياسية الإسلامية تعتمد على القيام بالأمانة التي عهد الله بها للإنسان، والخضوع للنظام السياسي مرتبط بكون هذا النظام السياسي قائما على تنفيذ أوامر الله، والتي سيكون الحساب عليها في الآخرة، فالآخرة فارق ضخم بين الرؤيتين الغربية والإسلامية، إذ لا تحفل الرؤية الغربية بالآخرة ولا تضع لها أي اهتمام، بينما الآخرة أمر حاضر دائما في النظرية والتطبيق السياسي الإسلامي، ولذا لا يمكن الفصل بين الدين والدنيا ولا بين الأخلاق والسياسة ولا بين الحياة المادية والحياة الروحية. ولهذا فإن من مهمات النظام السياسي الإسلامي تهيئة الأجواء للارتقاء بالأخلاق وتقوية الإيمان والروحانيات.

والمجتمع في النظام الإسلامي هم المسلمون الذين كلفهم الله بالمسؤولية عن هذا الدين دون أي تفرقة بينهم، ولذلك لا يكون فيهم سلطة لرجال الدين على نحو الكهنوتية المسيحية، بل ويقاومون هذه السلطة كما يقاومون تسلط طبقة الطبقة الرأسمالية أو الاشتراكية أو التسلط والاستبداد باسم "سيادة الدولة" أو "سيادة القومية".

وهدف الدولة في النظام الإسلامي هو "تحقيق العدل"، والعدل مفهوم مركزي في الرؤية الإسلامية حتى ليقول ابن تيمية بأن الله يقيم الدولة العادلة وإن كانت كافرة ولا يقيم الدولة الظالمة وإن كانت مسلمة، ويتفق في هذا سائر الاتجاهات الإسلامية وفلاسفتها كالفارابي والماوردي والغزالي وابن باجه وابن طفيل. كما ويفترق النظام الإسلامي عن الغربي في ميله إلى الجماعية في مقابل الفردية الغربية، والتأسيس لكون المسلم جزءا لا ينفصل ولا ينبغي له أن ينفصل عن المجتمع، ولا أن تتحقق أهدافه بمعزل عنه.

ومن أظهر الفوارق بين الرؤيتيْن أن النظام الإسلامي يطمح إلى نموذج مثالي قد تحقق بالفعل في دولة النبي والخلفاء الراشدين، بينما النظام الغربي يطمح إلى نموذج مثالي لم يتحقق أبدا، فقد ظلت نظريات المدن الفاضلة أحلاما كما انهارت كل نظريات نهاية التاريخ، وهذا فضلا عن أنه ليس ثمة نموذج مثالي يحظى باتفاق الفلسفات كما هو الحال في النظام الإسلامي المتفق على أن خير نموذج هو دولة النبي والخلافة الراشدة.

2.    شرعية السلطة السياسية

إن التشابه بين نظام الشورى في الإسلام والبرلمان في الرؤية الغربية تشابه خادع، إذ ليس للأمرين نفس المهمة، وذلك من أسباب الفشل في تغريب المجتمعات الإسلامية، فالمسلمون لا يرفضون الديمقراطية من جهة كونها سبيلا لمشاركة الشعب في الحكم وإنما يرفضونها من جهة علمانيتها التي ترفض أو لا تبالي بالعقائد الدينية. ولذلك فإن شرعية السلطة السياسية في النظام الإسلامي تُسْتَمَدّ من كونها إسلامية أولا وقبل كل شيء. بينما الشرعية للسلطة السياسية في النظام الغربي تستند إلى مجرد الاختيار الشعبي الممثل في مؤسسة البرلمان.

إن شرعية النظام السياسي عند أرسطو معتمد على منهجه في تصور الدولة في أفضل وضع ممكن ثم قياس مدى قرب وبعد النظام السياسي عن هذه الصورة، بينما كانت الفلسفة المسيحية تعطي الشرعية للنظام السياسي طالما احتفظ الكهنوت بسلطته الدينية وذلك لأن المسيحية تفصل بين الحياة الدينية والحياة الدنيوية، وبهذا التقسيم مهدت المسيحية الطريق للعلمانية، وانقلبت السلطة السياسية على السلطة الروحية للكنيسة وبدأ عصر العلمانية الذي أعطى الشرعية لأي نظام سياسي من خلال الفلسفات الأرضية التي وضعت بنفسها نظرياتها في المثل والقيم والأخلاق، وهي فلسفات اعتمدت على الإنسان أو العقل وأنتجت مفاهيم "النفعية، البرجماتية، الحفاظ على النفس، الحقوق الطبيعية للفرد، العقلانية".. وتولد عن هذه الفلسفات مفاهيم المشاركة السياسية ومهمة البرلمان والدستور وغيرها من مفردات الحياة السياسية في الغرب.

على العكس من هذا فإن النظام الإسلامي منطلق من إيمان بوجود وحضور فاعل للإله في الحياة، وعلى وحي يحدد القيم والأخلاق والمنطلقات، وعلى شريعة جاءت مفصلة في أمور كثيرة، وكل هذا يمثل ثوابت راسخة للنظام الإسلامي، ثم إن كل هذا يعتنقه جمهور الناس الواسع، يعتنقه كل مسلم، وكل مسلم متحمل للمسؤولية (الأمانة)، والمجتمع الإسلامي مجتمع مفتوح أمام كل من يعتنق الإسلام، فهو مجتمع قائم على الانتماء للفكرة لا محدود بالانتماء العرقي أو القومي، ويخضع المسلمون لهذا النظام بقدر ما فيه من الطاعة لله ورسوله والقيام بأوامره، ويتعاونون معه فقط في المعروف، ويرون أنه لا يُطاع ولا يُخضع له إذا انحرف عن إسلاميته.

إن مبدأ الشورى شرط إجرائي أساسي لشرعية السلطة السياسية في النظام الإسلامي، ولهذا فهو ليس مجرد ضمان لمشاركة الناس في السياسة، بل هو أداة لمنع الطغيان في الحياة السياسية الاجتماعية لارتباطه بالدين، ولهذا فهو خلاف فكرة البرلمان في النظام الغربي. ومن هنا تفشل كل محاولات النخب المتغربة في فرض نظام سياسي على النمط الغربي في المجتمعات الإسلامية.


ونواصل بإذن الله تعالى بقية استعراض آثار التناقض بين الرؤيتين الغربية والإسلامية على النظام السياسي لكل منهما في المقال القادم.