الخميس، أكتوبر 01، 2015

نظام حماية المجتمع المسلم


كيف بنى الإسلام هذه الأمة التي هي خير أمة أخرجت للناس؟ وكيف يمكن أن نعيد بعث هذه الأمة مرة أخرى؟ ومن المسؤول عن القيام بهذا التغيير؟

سعيا للإجابة على هذا السؤال، بدأنا بمقدمة حول تصورات الفلاسفة للمدينة الفاضلة، وإجابتهم عن سؤال: من المسؤول عن التغيير؟

ثم دلفنا إلى منهج الإسلام في بناء المجتمع، فوجدناه يقوم على أربعة أركان: الأساس العقدي، والمسؤولية الفردية، وطبيعة النظام العام، ونظام حماية المجتمع.

1.    فالأساس العقدي المغروس في المسلم هو التوحيد الذي يصنع أفكاره وقناعاته ثم يرشده إلى مهمته في الحياة: مهمة الاستخلاف في الأرض، التي تعني عمرانها ومقاومة الإفساد فيها.

2.    والمسؤولية الفردية تكشف لنا كيف بنى الإسلام شخصية المسلم ليقوم بمهمته، فألزمه أن يكون مسؤولا، مستقل الشخصية ليس بإمَّعة، ذا أخلاق رفيعة، مستوعبا ومستدركا لأخطاء غيره، صلب لا ييأس أبدا.

3.    والنظام العام هو الذي يحدد طبيعة السلطة وشرعيتها وثوابتها، كما يحدد طبيعة المجتمع وأبرزها تماسكه وتكتله بروابط: الدين والرحم والجوار، ثم ينظم العلاقة بين السلطة والمجتمع.

وبقي أن نتحدث هذا العنصر الرابع، وهو أشبه ما يكون بجهاز الرقابة والحماية العامة، أي جهاز الإنذار، فبعد أن صحَّ الفرد في ذاته، وصحَّ البناء في "نظامه العام"، لم يبق إلا أن يوضع نظام حماية ينتشر في كافة أرجائه، فما إن يحدث خطأ أو خلل أو خطر في ناحية منه إلا وانبعث صداه، ليأتيه المدد والغوث والتصحيح والتقويم.. فذلك هو: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

ففيه يقوم المسلم بواجب التصحيح لكل خطأ في كل مكونات ذلك البناء؛ سواء ارتبط معه برابطة مباشرة أم لا، وسواء كان قريبًا منه أم بعيدًا، وسواء كان الخلل في فرد آخر أم في جماعة أخرى.. ذلك هو التطبيق العملي للمسئولية الشاملة التي يستشعرها كل أحد تجاه كل أحد.

ولقد تميزت الأمة الإسلامية بنظام الحماية العامة هذا([1])، وبه صارت خير أمة أخرجت للناس؛ إذ سائر الأمم –كما يقول ابن تيمية- "لم يأمروا كل أحد بكل معروف، ولا نهوا كل أحد عن كل منكر، ولا جاهدوا على ذلك"([2])، وبه احتفظت الأمة الإسلامية ببقائها على سبيل الجادة وعلى صراط الله المستقيم، دون انحراف عقدي أو فكري في مجموعها، وبه طال عمر حضارتها وحُفِظت سفينتها.

قال الأصفهاني: "المعروف: اسم لكل فعل يُعْرَف بالعقل أو الشرع حَسَّنَه، والمنكر: ما يُنْكَر بهما"([3]). ولأن الشرع هو أساس تكوين العقل المسلم فإن المسلم قادر في عموم الأحوال على معرفة المعروف وإنكار المنكر بما استقر في وجدانه من روح الشريعة، التي صارت عُرْفًا وضميرًا جمعيًّا شائعًا في أفراد الأمة([4]).

ولذا يشيع في الآيات والأحاديث أن كل مؤمن قائم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ} [التوبة: 71]، وفي السورة ذاتها -أيضًا- وصف الله المؤمنين بأنهم: {التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} [التوبة: 112].

ومن التاريخ قصَّ الله علينا قصة رجل عامي يسكن أقصى المدينة –وأقصى المدينة حينئذٍ هو مسكن عوام الناس وفقرائهم- فجاء ناصحًا: {وَجَاءَ مِنْ أَقْصَى الْمَدِينَةِ رَجُلٌ يَسْعَى قَالَ يَا قَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ} [يس: 20]، فقتلوه فحاز منزلاً رفيعًا، هذا في زمن الاضطهاد، وأما في زمان التمكين –وهو في المستقبل- فقد قال الله: {الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ} [الحج: 41]، وأما في الحاضر فلقد جاء أمر الله صريحًا مباشرًا للمؤمنين بعمومهم: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} [المائدة: 2].

وفي كل ما سبق من آيات عموم يكون تخصيصه بنصوص أخرى شديد التكلف؛ ولذلك طال الخلاف بين العلماء في قوله تعالى: {وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [آل عمران: 104]؛ فلقد توقفوا عند لفظ: "منكم". وهل هي "تبعيضية"؛ تعني انفراد مجموعة من المسلمين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أم هي "بيانية" أي لجميع المؤمنين، فبعضهم قال: هي لجميع المؤمنين؛ "أي لتكونوا كلكم أمة تدعو إلى الخير وتأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر"([5]). وبعضهم قال: إنها لطائفة من المؤمنين مؤهلة بالعلم أو بالولاية للقيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بعلم وعدل([6]).

وخلاصة هذه المسألة وما جرى فيها من أقوال العلماء: أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مساحة واسعة متفاوتة؛ فمنه ما يكون عامًّا يقوم به كل المؤمنين تجاه من يستطيعون، وبقدر ما تسمح به طاقتهم من العلم والموهبة والقدرة، ومنه ما يحتاج إلى تعمق في العلم أو بلاغة وفصاحة في العرض أو في موهبة في الدعوة والدخول إلى القلوب، أو يحتاج إلى منصب تقوم به القدرة على الإلزام بالمعروف وتغيير المنكر؛ فهذا مما يكون واجبًا على الكفاية لا واجبًا عينيًّا([7]). وبهذا يستبين أن الأمر ليس خلافًا في المسألة بقدر ما هو ضبط لها، فلا تتكلف نفس إلا وسعها، ولا تتذرع نفس أوتيت وسعًا بما لا يجوز لها، أو كما قال ابن كثير: "المقصود من هذه الآية أن تكون فرقة من الأمة متصدية لهذا الشأن، وإن كان ذلك واجبًا على كل فرد من الأمة بحسبه"([8]).

وبهذا رسخ في الأمة نظام الحماية الشامل هذا، فالنصيحة مبذولة لكل أحد كما قال رسول الله r: "الدين النصيحة". قلنا لمن؟ قال: "لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامَّتهم"([9]). وقال النبي r: "من رأى منكم منكرا فليغِّيرْه بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان"([10]). وفي حديث آخر ينفي النبي الإيمان على من لا ينكر المنكر؛ فقال r: "ما من نبيٍّ بعثه الله في أمة قبلي إلا كان له من أمَّته حواريون وأصحاب يأخذون بسُنَّته ويقتدون بأمره، ثم إنها تخلف من بعدهم خُلُوفٌ يقولون ما لا يفعلون، ويفعلون ما لا يُؤمرون، فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن، ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن، ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن، وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل"([11]).

وغير مقبول أن يجهل المسلم المعروف من المنكر، وقد سئل ابن مسعود t: "من ميت الأحياء؟ فقال: من لا يعرف معروفًا ولا ينكر منكرًا"([12]). ثم من غير المقبول أن يسكت عنه؛ ففيما روى قتادة أن عمر بن الخطاب قال في حجَّة حجَّها ورأى من الناس رِعَة سيئة([13])، فقرأ هذه: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} الآية [آل عمران: 110]. ثم قال: يا أيها الناس، من سره أن يكون من تلك الأمة، فليؤد شرط الله منها([14]).

فالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هو علامة الخيرية وشرطها.

نشر في ساسة بوست
                                        



([1]) وقد نقلنا من قبل كلمة المستشرق الأمريكي مايكل كوك التي يعترف فيها بأن الثقافة الغربية لم تعرف اسمًا لمسئولية الإنسان تجاه الآخرين. وهذا النقل من باب "وشهد شاهد من أهلها" أما نحن فيكفينا قول ربنا: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ} [آل عمران: 110].
([2]) ابن تيمية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص12.
([3]) الأصفهاني: المفردات في غريب القرآن ص561.
([4]) وقد اقتصر بعض العلماء في تعريفه على مقياس "الشرع" فحسب ويُرى في كلامهم –أحيانًا- خشية أن يكون دخول "العقل" فيه فتحًا لباب الحكم بالهوى؛ سواء بالتشديد أو التفريط (مثلاً: البهوتي: كشف القناع 3/35، الشوكاني: إرشاد الفحول 1/206)، فيما قال البعض الآخر: إن العقل غير الهوى وأنه محمول على العقل السوي والفطرة السليمة. ويُلمح في أقوالهم –أحيانًا- خشيةً من أن يؤول ذلك إلى قصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على العلماء فحسب، (مثلاً: القاسمي: محاسن التأويل 9/537، محمد رشيد رضا: تفسير المنار 4/23). وقد كثر التفصيل في الأمر للخلاف الشهير بين أهل السنة والمعتزلة في مسألة العقل وأصولهم الخمسة، التي منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، انظر: الماوردي: أدب الدنيا والدين ص95 وما بعدها، وشرحه: خان زاده: منهاج اليقين ص158 وما بعدها.
([5]) الزجاج: معاني القرآن وإعرابه 1/452، وانظر أيضًا: أبو حيان: البحر المحيط 3/290، الواحدي: الوجيز ص226، البغوي: معالم التنزيل 1/486، محمد رشيد رضا: تفسير المنار 4/23، الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير 4/38.
([6]) ابن قتيبة: تأويل مشكل القرآن ص249، الطبري: جامع البيان 7/90، الجصاص: أحكام القرآن 2/315، النيسابوري: إيجاز البيان 1/200، 201، القرطبي: الجامع لأحكام القرآن 4/165، الشوكاني: فتح القدير 1/423، السعدي: تيسير الكريم الرحمن ص142.
([7]) ابن عطية: المحرر الوجيز 1/486، الطاهر بن عاشور: التحرير والتنوير 4/39.
([8]) ابن كثير: تفسير القرآن العظيم 2/91.
([9]) مسلم (55).
([10]) مسلم (49).
([11]) مسلم (50).
([12]) ابن تيمية: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ص18.
([13]) رِعَة سيئة: سوء أدب.
([14]) الطبري: جامع البيان 7/102.