السبت، أبريل 16، 2016

تبسيط تاريخ مصر الحديث (2)

شارك في كتابته: د. عمرو عادل


(5)
الاحتلال الإنجليزي

استطاع الاحتلال الإنجليزي بـ 40 ألف جندي السيطرة على شعب قوامه ستة ملايين ونصف، بينما قبل سبعين سنة استطاع 700 من أهالي رشيد إيقاف جيش إنجليزي قوامه خمسة آلاف. وتلك هي خطورة احتكار الدولة لصورة المجتمع وأساليب مقاومته.

ولم يكن غريبا أن يحاول الاحتلال كسر المجتمع لصالح الدولة، ولذا فستعود السيطرة على عناصر القوة لتكون جميعها بيد الدولة وليخلو منها المجتمع على هذا النحو:

1. ما إن تمت هزيمة عرابي وجيشه حتى كانت القوة المسلحة قد انتهت من المجتمع، وتركزت كلها بيد الدولة لفراغ المجتمع منها سابقا وهزيمة ممثله (عرابي) في جهاز الدولة (الجيش)، وقد فكك الإنجليز الجيش المصري، وصار الجيش الإنجليزي هو صاحب القوة إلى جانب فرق خاصة بالخديو تابعة بطبيعة الحال للاحتلال الإنجليزي.

2. وطارد الإنجليز القيادات الفكرية، فقد نفى الخديو جمال الدين الأفغاني منذ ما قبل الثورة العرابية، وظل عبد الله النديم مطاردا لتسع سنوات، وسجن محمد عبده بتهمة الاشتراك في الثورة العرابية، وحكم على عرابي بالإعدام ثم خفف إلى النفي خارج البلاد، وعزل شيخ الأزهر محمد الإنبابي (الذي عينته الثورة العرابية) وأُتي بمحمد العباسي المهدي، وحوكم الشيخان أحمد المنصوري وأحمد عبد الغني لاشتراكهما مع عرابي. وسيطر الإنجليز على الصحافة وبدأوا في توجيه التعليم في خطة طويلة عبر القس دنلوب الذي تولى وزارة المعارف.

3. واستسلمت المؤسسات –بطبيعة الحال- للاحتلال الإنجليزي الذي سيطر عليها، فأدار بها ثروة المجتمع المصري الذي صار تابعا تماما للمحتل، يتصرف فيه كما تقتضيه مصلحته.

4. وأنشأ الإنجليز المحاكم الأهلية التي كانت ضربة قاضية للمحاكم الشرعية، كما انتهى أمر مجلس النواب المنتخب من قبل الشعب، وتعتبر أحكام محكمة دنشواي دليلا قويا على الارتباط القائم بين المؤسسات القضائية وسلطة الاحتلال.

ولا بد من القول بأن الاحتلال الإنجليزي أدار معركته مع المصريين بقدر وافر من الدهاء، وهو قدر غير مسبوق في سياسات الاحتلال الأجنبي من قبل، فلقد نفذ الإنجليز كثيرا من الإجراءات التي تبدو في ظاهرها في صالح المجتمع المصري مثل رفع العقوبات البدنية عن الفلاحين، وتخفيض الضرائب عن المعسرين، وتعيين بعض القيادات الفكرية في مواقع تبدو مؤثرة لكنها على الحقيقة ليست بذاك مثل تعيينهم للشيخ محمد عبده في منصب المفتي وإصرارهم على ذلك، ومثل عفوهم عن أحمد عرابي وإعادته من منفاه، ومثل سياستهم في النظام التعليمي التي قادها دنلوب بقدر كبير من الهدوء والكتمان من بعد ما طرد كرومر العناصر المستثارة التي حاولت تنفيذ هذه السياسات بشكل أقوى وأسرع وأعادهم إلى بريطانيا.

وبإجمال ميزان القوى داخل المجتمع في فترة الاحتلال الإنجليزي وحتى ما قبل ثورة 1919، يتبين أن قوة المجتمع قد انهارت لتصل إلى نسبة (17%) مقابل (83%) في يد سلطة الاحتلال.



 1 القوة المسلحة   2 صناعة الوعي   3 المؤسسات التنفيذية والثروة   4 التشريع والقانون

(6)
ثورة 1919 ونتائجها

بعد نحو أربعين سنة من الاحتلال الإنجليزي (وهو عمر التغيير) جرى تطور نسبي في قدرات المجتمع في بعض المحاور كما حدث تراجع في محاور أخري علي النحو التالي.

1. أصبحت القوة المسلحة تابعة للاحتلال، وأصبح الجيش أحد أدوات الانجليز في حروبه ضد الأمة، كالتجريدة المصرية، واستخدام نحو مليون وربع مصري في الحرب العالمية الأولي. كما أسس الإنجليز جهاز الأمن السياسي المصري. إلا أن القوي الاجتماعية كسرت احتكار السلطة  للسلاح فاستخدمت  المقاومة المسلحة علي نطاق واسع مما قلل من التفاوت الكبير للقوة بين رأس السلطة والمجتمع.

2. عادت النخبة الوطنية للتشكل من جديد عقب انهيارها بعد فشل الثورة العرابية، فظهرت قيادات أمثال مصطفي كامل ومحمد فريد. وعلى الجهة الأخرى كان الإنجليز يواصلون صناعة النخبة المعبرة عنهم، وأثر هذا كله على تماسك المجتمع ووحدته ضد الاحتلال والاستبداد. وقد أدي ظهور طبقة وسطي تحمل قدرا من التعليم وظهور النقابات العمالية إلي تكوين قوي مجتمعية تستطيع منافسة رأس السلطة في صناعة الوعي وساعدت سهولة الطباعة وانتشار الإصدارات بأشكالها علي تطوير الوعي، كما قادت كوادر الحزب الوطني في تلك الفترة حملة توعية كبيرة في مصر وتعرصوا للتنكيل من الإنجليز والجهاز الأمني المصري، ما كان لشباب الأزهر وبعض شيوخه دور فاعل في بناء الوعي العام. وبذلت النخبة الاستعمارية كذلك ما استطاعت من مجهود لاستعادة السيطرة على المجتمع.

3. استغل الانجليز سيطرتهم الكاملة علي مفاصل الدولة لبناء المؤسسات لتتبعهم بصورة هيكلية ودائمة.

فصارت المؤسسات أداة ترسيخ الاحتلال واستقطاب الثروة، مما نتج عنه لا مجرد استغلال الاقتصاد بل ربطه بهم وتحويله إلى اقتصاد خادم لهم، ومنحوا الأجانب امتيازات واسعة مما أخلّ البنية المالية للمجتمع. واستمرت محاربة الأوقاف والمصادر المالية الأخري للمجتمع، إلا أن احتياج الاحتلال لطبقة وسطي فاعلة من المصريين أدي إلي وجود قدر من الثروة وخاصة في المدن لدي القوي المجتمعية.

4. الإنجاز الأكبر لثورة 1919 هو الحصول علي حق الشعب في التمثيل النيابي وتشكيل الحكومة حتي إن كانت ليست مكتملة تحت الاحتلال، إلا أن وجود مجلس نيابي أعاد بعضا من سلطة المجتمع. (وإن كان هذا المكسب هو عين فشل ثورة 19 التي كان هدفها الجلاء لا مجرد دستور ومجلس نيابي). كذلك استمرت قوي الاحتلال والطبقة الحاكمة في تغيير بنية المجتمع التشريعية حيث زادت سيطرة المحاكم الأهلية وأصبحت هي صاحبة اليد العليا علي حساب المحاكم الشرعية والعرفية.

وبإجمال ميزان القوى داخل المجتمع في فترة ثورة 1919 وما بعدها يشير إلي تحسن نسبي لقوي المجتمع، يتبين أن قوة المجتمع وصلت إلى نسبة (34%) مقابل (66%) في يد سلطة الاحتلال والطبقة الحاكمة.



1 القوة المسلحة   2 صناعة الوعي   3 المؤسسات التنفيذية والثروة   4 التشريع والقانون 

(7)
قبيل انقلاب يوليو 1952

كانت مصر تغلي وعلي وشك ثورة حقيقية، وظهرت قوي مجتمعية حقيقية نازعت الطبقة الحاكمة المهترئة سلطتها بل وبدأت في شرعنة المقاومة المسلحة ضد الاحتلال مما دفع بالقوي الاستعمارية إلي استباق الحالة الثورية بالانقلاب العسكري، وفيما يلي عرض لتوازن القوي بين المجتمع ورأس السلطة قبيل انقلاب 1952.

1. لأول مرة ربما منذ المقاومة الفرنسية تتوازن القوي المسلحة بين المجتمع ورأس السلطة؛ بالرغم من أن الجيش المصري كان خارج معادلة القوي تماما وإن مال ناحية الطبقة الحاكمة ورأس السلطة والاحتلال، فلم يكن له دور في المقاومة المسلحة ضد الاحتلال، إزدادت حالة المقاومة داخل التنظيمات الشعبية وعلي رأسها جماعة الإخوان المسلمين والتيارات اليسارية ضد الاحتلال والأخطر هو شرعنة المقاومة حتي أنه طرح مشروع قانون بإباحة حمل المواطنين للسلاح. مما يعد دليلا بارزا على تصاعد إرادة المجتمع في الدفاع عن نفسه وكسر احتكار السلطة –التابعة للاحتلال- للقوي المسلحة. وعلى الجانب الآخر استقر أمر الأجهزة الأمنية والعسكرية تحت سيطرة الاحتلال فهي قد بُنيت بيده وتحت إشرافه.

2. حدثت طفرة كبري في الوعي العام عند كتل كبيرة بالمجتمع مع ظهور جماعة الإخوان المسلمين والإحياء الديني علي يد الإمام حسن البنا تلميذ الإمام محمد عبدة ومحمد رشيد رضا، وظهرت قوي يسارية قوية استطاعت تكوين قوي عمالية ومجتمعية ساعدت في استعادة المجتمع لقدرته علي الفعل.ومع انتشار الطباعة والتوسع في التعليم وامتلاك المجتمع لقواه الدعوية؛ أدي ذلك إلي إعادة التوازن مرة أخري بين المجتمع والدولة واقتراب المجتمع من تحقيق التفوق علي رأس السلطة.

3. استمرت سيطرة الاحتلال علي المؤسسات والثروة مع تحسن نسبي من استمرار تواجد الطبقة الوسطي وظهور بعض رؤوس الأموال الوطنية مما قلل من حجم احتكار الدولة للثروة عن سابق عهدها.

4. كان المجلس التشريعي –برغم ما يؤخذ عليه- أحد أدوات القوة المؤثرة علي التوازن العام بين السلطة والمجتمع، واستطاع أن يفرض حق المجتمع في إنشاء قوانينه بالرغم من البنية الفكرية غير المتوافقة مع القواعد الفكرية للمجتمع. ومن أهم مزاياه: ثبوت الحق للمجتمع في التشريع والتقنينئن ولو لم يطبق هذا بشكل حقيقي، مما أدى إلى تحسن في توازن القوي بين الاحتلال ورأس السلطة من جهة والمجتمع من جهة أخري.

والشكل الآتي يوضح توزيع القوي بين المجتمع ورأس السلطة ويظهر امتلاك المجتمع ل 42.5% من إجمالي أدوات القوة مقابل 57.5% لرأس السلطة.

وبهذا وصل المجتمع إلي نقطة حرجة جديدة واقترب من انتزاع السلطة من الاحتلال وطبقته الحاكمة.



1 القوة المسلحة   2 صناعة الوعي   3 المؤسسات التنفيذية والثروة   4 التشريع والقانون
  


(8)
حقبة العسكر

هي بامتياز أسوأ مرحلة في تاريخ مصر، دُمِّرفيها المجتمع وكل قواه بشكل ممنهج؛ واستطاعت رأس السلطة تكوين طبقة حاكمة نموذجية وأبعدت الشعب بشكل شبه كامل عن السلطة. وفيما يلي عرض نتائج حقبة العسكر علي مصر

1. احتكرت الطبقة الحاكمة تماما القوة المسلحة سواءا في شكلها الأمني أو العسكري أو حتي القوي "المدنية" التي استعان بها. والأخطر هو تكون صورة ذهنية حتي عند القوي الفاعلة في المجتمع بأن ذلك هو الحق المبين واستسلامها الكامل لهذا الاحتكار الذي أدي إلي تدجين الكثير من القوي المجتمعية. وتحولت كل مؤسسات القوة إلي مؤسسات قهر للشعب.

2. احتكرت الطبقة الحاكمة العسكرية صناعة الوعي وسيطرت علي المؤسسات الرئيسية لصناعته؛ الثقافة الإعلام والتعليم؛ وسيطرت علي الأزهر تماما وأذابته وقضت علي البقية الباقية منه وتم احتلاله من رأسه وإفساد منظومة التعليم وبه واستخدمته لصناعة وترويج أفكارها عن السلطة وعن الإسلام. كما دمرت بنية التعليم في كل مستوياته في مصر ووصلت تقييم التعليم العالي والتعليم الأساسي إلي مستويات شديدة التدني. وانتزعت الدولة أي شكل من أشكال التعليم من المجتمع فشوهت فكرة لتعليم ما قبل المدرسي "الكتاتيب" وأنهت تماما علي فكرة الأوقاف؛ وكان إلغاء الأوقاف الخيرية أحد أول قرارات الانقلاب العسكري عام 1952 مما أضعف من قدرات المجتمع علي المشاركة في ملف التعليم. وعلي صعيد المؤسسات الدعوية؛ لم تسمح إلا للمؤسسات التي تتوافق مع سياستها ورؤيتها وحاربت بكل عنف أي مؤسسة دعوية بأذرعها الأمنية والعسكرية مما أدي إلي تراجع كبير لدور المجتمع في صناعة الوعي مع شبه احتكار من رأس السلطة العسكرية لذلك، وأدي هذا الاحتكار إلي تشويه شديد في العقل الجمعي للمجتمع وضح أثره في أحداث ما بعد بداية ثورة يناير.

3. وعلي مستوي المؤسسات التنفيذية قامت باحتكار السلطة بها لصالح رجال الطبقة الحاكمة وسيطرت إلي حد كبير علي كافة مفاصلها؛ كما سيطرت علي الثروة في صالح مجموعة موالية لها مما أدي إلي إفقار شديد بالشعب المصري، وأثر إلغاء فكرة الأوقاف من المجتمع إلي زيادة معدلات الفقر وامتلاك رأس السلطة الحاكمة لمعظم السلطة والثروة.

4. انتهت فكرة تمثيل الشعب في مجلس نيابي وأصبح المجلس النيابي هو هيئة معاونة للسلطة التنفيذية؛ فقد ألغت سلطة العسكر تقريبا فكرة المجلس النيابي بل واستخدمته كوسيلة للاستبداد في كثير من الأحيان؛ وألغت طبقة العسكر المحاكم الشرعية تماما فور حدوث انقلاب 52 وأصبح نموذج المحاكم الأهلية هو المسيطر علي ساحات القضاء وتعمدت تدمير بنية القضاء باختيار أسوأ العناصر بالمجتمع في هذه المؤسسة وتحولت في نهاية الأمر إلي سلطة تابعة للسلطة التنفيذية.

تحولت مصر في أواسط العقد الأول من القرن الحادي والعشرين إلي حالة من الاحتكار الكامل للسلطة من الطبقة الحاكمة والشكل التالي يعبر عن توزيع أدوات القوة بين المجتمع ورأس السلطة ويظهر تفوق كاسح لرأس السلطة عن المجتمع حيث امتلكت الدولة 84% من أدوات القوة في مقابل 16% للمجتمع وهي أدني نسبة خلال المائتي عام الأخيرة



1 القوة المسلحة   2 صناعة الوعي   3 المؤسسات التنفيذية والثروة   4 التشريع والقانون
                            
في المقال القادم –بإذن الله تعالى- نتحدث عن ثورة يناير وما بعدها، وعن خلاصة هذا التاريخ، وتوصيات الدراسة.

نشر في ساسة بوست