الجمعة، أكتوبر 14، 2016

دخول الدولة العباسية تحت حكم العسكر

قال ابن خلدون: "ربما يحدث في الدولة إذا طرقها هذا الهرم بالترف والراحة أن يتخير صاحب الدولة أنصارا وشيعة من غير جلدتهم ممن تعود الخشونة فيتخذهم جندا يكون أصبر على الحرب، وأقدر على معاناة الشدائد من الجوع والشظف، ويكون ذلك دواء للدولة من الهرم الذي عساه أن يطرقها حتى يأذن الله فيها بأمره"[1].

لقد ساهمت كثير من العوامل في انتقال الخلافة العباسية إلى هذا الطور الجديد: عصر سيطرة الترك! إلا أن عامليْن رئيسين صنعا الفارق الكبير، الأول: طبيعة الخلفاء، والثاني: طبيعة الأجناد ..

فطبقة الخلفاء نشأوا في الدعة والترف والرفاه على عكس ما كان من حال الخلفاء الأوائل الذين كانوا رجال دعوة قبل أن يكونوا مؤسسي الدولة، وحرص كل منهم على صناعة ابنه - ولي العهد - على عينه حتى نشأوا رجالا قادرين على سياسة الدولة وإدارتها.

وأما طبقة الأجناد ورجال الدولة فقد صاروا من الترك، وهم «بدو العجم» حسبما وصفهم الجاحظ، فما أبعد ما بينهم وبين الفرس ذوي الحضارة العريقة والأصول المدنية الضاربة في أعماق التاريخ، فهم قوم أشد خشونة وأبعد عن فهم طبيعة وتكوين حضارة كبرى، كما أن ارتباطهم بالعباسيين بدأ بعلاقة السادة والأجناد، بعكس ما كان بينهم وبين الفرس وهي علاقة أنصار الدعوة ثم رجال الدولة.

لكل هذا سرعان ما اختلت العلاقة بين الخلفاء والعسكر الأتراك، ودخلت الدولة في مرحلة الحكم العسكري -وهي مرحلة كارثية لكل الدول عبر التاريخ- ولم يعتدل الأمر إلا حين ظهر من بين البيت العباسي خليفة قائد قوي يقود الجيوش بنفسه، فاستطاع أن يعدل الميزان لفترة هو وابنه وحفيده ثم أورثوا الحكم خليفة ضعيفا صغيرا فعاد الاختلال إلى الدولة حتى انهارت تماما، وظل الانهيار يستفحل تحت الحكم العسكري حتى جرت سنة الله وتسلط على العراق قوم هم في مقام الغزاة المحتلين .. وهم البويهيون!

لقد بدأت القصة، كما ذكرنا في المقال الماضي، عندما تحالف ولي العهد المنتصر بالله مع العسكر الأتراك لقتل أبيه الخليفة المتوكل على الله خشية من تحويل ولاية العهد إلى أخيه وحرمانه من الوصول إلى منصب الخلافة. وبدا أن الأمر تمَّ للمنتصر، إذ استطاعت فرقة من جيشه تفريق وإخماد المتجمهرين من الناس والجنود الذين هالهم مقتل الخليفة، واستطاع المنتصر إجبار أخويه على البيعة له بالخلافة فانتهى بهذا منازعته في الشرعية، وزيادة في التأمين ترك المنتصر العاصمة الجديدة "المتوكلية" وعاد إلى العاصمة العسكرية "سامراء".

وعلى رغم هذه الإجراءات التي بدا منها أن الأمر استقر للمنتصر سريعا إلا أن الحقيقة كانت غير ذلك، لقد كان الوضع خطيرا أمام المنتصر، فتلك هي المرة الأولى التي يتجرأ فيها رعايا الدولة الذين هم أيضا من غير العرب على قتل الخلفاء، وعلى رغم ما كان بين المنتصر والأتراك من الود قبل هذا إلا أنه علم أن وصول نفوذهم في الدولة إلى درجة قتل الخليفة وتولية غيره يعني أنهم صاروا الأسياد المتحكمين فعلا في أمر الدولة، ومن غير شك فإن كثيرا من الأفعال التي قام بها القادة الأتراك في تلك الأيام الأولى لخلافته كانت تعني أنهم رأوا أنفسهم الأعلى يدا والأقوى من كل قوة ولو كانت هيبة الخلافة ومكانتها .. لهذا نرى تَحَوُّل المنتصر من حبهم إلى بغضهم وكان يسميهم «قَتَلة الخلفاء»! وبدا كأن المنتصر سيحاول تكرار سيرة أبيه في محاولة التخلص من النفوذ التركي.

بدأ المنتصر بقتل القائد التركي الفتح بن خاقان متهما إياه بأنه قاتل والده الخليفة المتوكل، وأرسل القائد التركي التالي له في القوة "وصيفا" ليصد هجوما للروم، وأمره أن يبقى في الشام بعد انتصاره لأربع سنين لينظم فيها أمر الثغور ويجاهد هناك كلما احتاج الوضع إلى الجهاد، فأراد بهذا إبعاده عن مركز الخلافة تخلصا من نفوذه.

ثم إنه أجبر أخويه على خلع أنفسهما من ولاية العهد، وأخبرهما بأن هذه هي رغبة العسكر الأتراك وأنهما إن لم يتنازلا فإنهما يعرضان أنفسهما للاغتيال، ففعلا هذا، وهكذا لم يعد في المشهد السياسي سوى المنتصر ووزيره (يمثلان الجناح المدني) مقابل الجناح العسكري ذي السطوة والنفوذ.

وهنا يموت المنتصر موتا مفاجئا، بعد ستة أشهر فقط من توليه الخلافة، فلا يبقى إلا النفوذ العسكري المسيطر، ولهذا يشك بعض المؤرخين في أنه مات مقتولا، لا سيما والمتهم موجود: وهم الترك، والدافع موجود: سعي المنتصر في التخلص منهم والتوطيد لنفسه، وقد وردت رواية تفيد أن الطبيب الطيفوري وضع له السم في آلات الحجامة فمات منها حين احتجم[2].

وبموت المنتصر -أو مقتله- من بعد مقتل المتوكل كانت الخلافة العباسية قد دخلت بالفعل عصر سيطرة الترك، حيث الخليفة، كما يقول ابن الطقطقي، "في يدهم كالأسير، إن شاءوا أبقوه وإن شاءوا خلعوه، وإن شاءوا قتلوه"[3].

كان الوزير أحمد بن الخصيب العقل المدبر أيام المنتصر، وقد وصفه المسعودي بأنه "قليل الخير، كثير الشر، شديد الجهل"، ومن اللافت للنظر أن حكم العسكر لا يبدأ ولا يترسخ إلا إن كان السلطان بيد جاهل لا يحسن تقدير الأمور.

ما إن مات المنتصر حتى سارع الوزير بجمع القادة الأتراك الذين كان أهمهم: بُغا الكبير، وبُغا الصغير، وأتامش. وسعى في أن يجمع قادة الجنود الأتراك والمغاربة والأشروسنية[4] وأن يوحدهم على ما سيصدر عن اجتماع الثلاثة الكبار (بغا الكبير، وبغا الصغير، وأتامش) فتم له ما أراد.

كان العسكر الأتراك رافضين لحكم المعتز أو المؤيد لأنهما من ولد المتوكل، فسعوا في أن يكون الخليفة من نسل المعتصم، ووقع اختيارهم على أحمد بن محمد بن المعتصم، والذي لقب بـ «المستعين بالله»، وإن كان بعض القادة لم يُرضهم هذا الاختيار ، وقد أوقع هؤلاء بعض الاضطرابات وساندهم كل من لم يرض من الناس بهذا التحكم العسكري، إلا أن هذه الحركة هُزِمت أمام جمهور الجيش الذي كان متماسكا خلف اختيار قادته للمستعين بعد قتال استمر عدة أيام، حفلت بالاضطراب وانتهبت فيه كثير من الأماكن في بغداد وغيرها، ثم استقر الأمر للمستعين.

وبهذا يكون النفوذ التركي قد استقر وتمكن تماما، فهاهم بعد أن قتلوا خليفة، وخلعوا وليين للعهد، صاروا يقررون من الخليفة القادم، ليس هذا فحسب، بل إن الخليفة القائم يعلم أنه لولا الأتراك ما كان ليصل إلى كرسي الخلافة على عكس المتوكل والمنتصر اللذين كانا وليين للعهد. وقد وصف الشاعر هذا الحال بقوله:
خليفة في قفص ... بين وصيف وبغا
يقول ما قالا له ... كما تقول الببغا

ودخلت الدولة الإسلامية أياما عصيبة وصارت تسرع الخطى إلى الانهيار.




[1] ابن خلدون: تاريخ ابن خلدون 1/ 169.
[2] الطبري، تاريخ الطبري، (بيروت: دار الكتب العلمية، 1995م)، 5/351، 352؛ المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، ط2 (بيروت: الشركة العالمية للكتاب ، 1990م)، 2/ 513، 514.
[3] ابن الطقطقي، الفخري في الآداب السلطانية والدول الإسلامية، تحقيق: عبد القادر محمد مايو، ط1 (بيروت: دار القلم العربي، 1997م)، ص240.
[4] المغاربة: هم الجند المنتسبون إلى الشام ومصر والشمال الإفريقي، فهذه بالنسبة إلى العراق "مغرب"، والأشروسنية: هم الجند المنتسبون إلى أشروسنة من بلاد الترك ما وراء النهر!