الجمعة، أكتوبر 28، 2016

التحالفات المؤقتة بديلا للفرقة

قال النبي صلى الله عليه وسلم: "سألت ربي عزَّ وجلَّ ثلاث خصال، فأعطاني اثنتين ومنعني واحدة، سألت ربي أن لا يهلكنا بما أهلك به الأمم فأعطانيها، فسألت ربي عزَّ وجلَّ أن لا يظهر علينا عدواً من غيرنا فأعطانيها، فسألت ربي أن لا يلبسنا شيعاً فمنعنيها"[1].

وبعد وفاة النبي بربع قرن بدأت الفرقة والفتنة، ولقد قال الخليفة الراشد الثالث عثمان بن عفان للمتمردين عليه ناصحا ومحذرا: "فوالله لئن قتلتموني لا تتحابون بعدي أبدا، ولا تصلون بعدي جميعا أبدا، ولا تقاتلون بعدي عدوا جميعا أبدا"[2]. وقد كان ما قال كما قال!

وليس يعني هذا بطبيعة الحال أن نترك الوحدة ونطلب الفرقة، بل هي شر نحاول أن نتوقاه ونعالجه ما استطعنا، فإن عجزنا كان لا بد لنا من نضج ورشد يحملنا على فقه التعامل عند وقوع الفرقة وتعذر الوحدة. ولهذا ذهب الفقهاء إلى عدم جواز تعدد الإمام (الخليفة) للمسلمين في الزمن الواحد، لما في ذلك من الفرقة والتنازع التي نهى الله عنها، ولم يستثن من هذا سوى المالكية –وهو قول عند الشافعية- من جواز ذلك في حال تباعد الأقطار مع تعذر الاستنابة (أي عجز الخليفة عن تعيين نائب عنه في الدار البعيدة).

ثم شهد المسلمون وضعا جديدا بانهيار الخلافة الإسلامية (1924م) وانقسام بلادهم إلى أقطار أغلبها تحت الاحتلال، ثم زاد الوضع سوءا وتفرقا بعجز أكثر التجارب الإسلامية عن تحقيق وحدة أو تحالف دائم بل نشبت بين كثير منهم حروب وفشا في بعضهم الغلو والتكفير، ويبدو أن التجربة التاريخية تسوق نحو حل يتكرر طرحه: التحالفات المؤقتة.

في هذه السطور ثلاثة تجارب لأناس في مواطن مختلفة ومن مشارب مختلفة وفي ظروف مختلفة.

(1) باريس - 1926

عندما بلغ الفقيه القانوني المعروف عبد الرزاق السنهوري التاسعة عشرة من عمره كان يعاين لحظة إلغاء الخلافة الإسلامية (1924م)، وكان حينها في باريس وقد خرج من مصر التي كانت تحت الاحتلال الإنجليزي منذ ما يقرب من نصف قرن، وفي ظل العجز الإسلامي عن إعادة إحياء الخلافة الإسلامية، كتب السنهوري كتابه الأشهر "الخلافة وتطورها لتصبح عصبة أمم شرقية"، وهو الكتاب المشتهر بعنوان "فقه الخلافة".

كان شابا في باريس الفاتنة المبهرة لكنه كان يؤلف في حال أمته، ووُجِدت في يومياته أبيات شعر، منها:

أأرضى أن أنام على فراش .. ونوم المسلمين على القتاد
وأهنأ في النعيم برغد عيش .. وقومي شُتِّتوا في كل واد
فلا نَعِمَتْ نفوس في صفاء .. إذا نسيت نفوسا في صفاد

كانت الفكرة المركزية للكتاب، كما وضحها أعرف تلاميذه به ومترجم كتابه وزوج ابنته وعلامة القانون في عصره والشخصية الإسلامية المرموقة د. توفيق الشاوي، هي الدعوة "لتحقيق الوحدة الإسلامية تدريجيا في صورة لا تتعارض مع الدول القطرية واستقلالها الذي أصبح واقعا مفروضا وقائما لا يمكن تجاهله... وهو يبدأ من عقيدة ثابتة بأن مبدأ الوحدة تفرضه علينا عقيدتنا وشريعتنا، فهو مبدأ موجود وقائم طالما بقيت عقيدة التوحيد، بل إن وحدة الأمة الإسلامية حقيقة واقة، ولكن هناك عوامل داخلية وخارجية قد أوهنتها أو أضعفتها"[3]. وذلك –كما تقول ابنته وشريكة ترجمة الكتاب د. نادية- عن طريق تكوين "منظمات دولية لا دولة كبرى موحدة، لكي تتفادى بها شراسة الهجمة الاستعمارية، وعداوة أوروبا لدولة الإسلام الكبرى الموحدة التي حاربوها... [باعتبارها] الطريقة العصرية التي تمكنها من المحافظة على وحدتها رغم ما فرضته عليها الظروف من تجزئة شعوبها وتعدد دولها واحتلال كثير من أقطارها"[4].

(2) في الشام - 2016

قبل نحو عشرة أيام نشر أبو الفتح الفرغلي، وهو شرعي في حركة "أحرار الشام"، عبر قناته بتطبيق "التليجرام" نداء بعنوان "سبب فشل الاندماج حتى الآن"، ومختصر ما قاله أبو الفتح أن الخلافات بين الفصائل الإسلامية في الشام هامشية وجزئية وفرعية وكلها يمكن التغلب عليها والسير نحو الوحدة، لولا سبب واحد هو "عدم الثقة".

"عدم الثقة" هذا يقف حجر عثرة أمام تحقيق اتحاد الفصائل الشامية رغم النتائج الكارثية الواقعة عليهم وعلى جهاد الشام كله جراء تفرقهم، ذلك أن كل محاولة اندماج تصطدم بشروط تعجيزية يضعها كل طرف لمحاولة ضمان مكتسباته أو لضمان ألا يُؤكل أو يُستخدم لأغراض فصيل آخر، وهكذا يتعطل مشروع الوحدة وتبقى الفرقة.

يرى أبو الفتح أن الرغبة في اندماج كامل وناجح ومستمر يؤدي إلى وضع شروط مستحيلة، وهو ما يؤدي إلى تعطل الوحدة وبقاء الفرقة، وبهذا صارت "ضمانات الوحدة" هي ذاتها "عوائق الوحدة"، فعاد الفرع على أصله بالنقض كما يعبر الأصوليون عن اجتهاد فاسد!

ويقترح أبو الفتح علاجا لهذا الحال ألا يُنظر إلى محاولة الاندماج "كأنه نهاية المطاف، و على غرار عقود النكاح الكاثوليكية ،لا يمكن أن تنقض إلا بالموت"، فلا بأس في الدخول في تحالفات مؤقتة، يُتنازل فيها عن الضمانات التعجيزية، ثم يعطون أنفسهم فرصة ووقتا يقيمون فيه التجربة من جديد، فإن رأى فصيل أن التحالف ينحرف عن غاياته فله أن ينسحب منه. وبهذا يتحقق التحالف الجزئي المؤقت الذي هو خير من بقاء التشرذم والفرقة.

والضمان –كما يراه أبو الفتح- أن أحدا في الشام لا يستطيع الضحك على الآخر ولا جر الساحة الشامية وحده إلى أغراضه، كما أن أي انحراف لفصيل يجد من يقومه وينادي عليه من داخل الفصيل نفسه، وهكذا يقوم اتزان القوى –إجمالا- كضمان عام لهذه التحالفات المؤقتة.

(3) في اسطنبول - 2016

وقبل أيام يشاء الله تعالى أن أُدْعى إلى ورشة عمل حول إنشاء تحالف سياسي إسلامي مصري، ورغم المجهود المضني المبذول من أصحاب المبادرة لضبط النقاش والإدارة بحيث يُؤدي في النهاية إلى ثمرة ملموسة، إلا أن التيار العام –في تقديري- دخل في ذات المشكلات التي تتفجر عند نوايا العمل، فالبعض متحمس أو متفائل والآخر واقعي أو متشائم، البعض يؤسس لأهداف كبرى وغيره يرى أنه يكفي أن نبدأ بأهداف صغيرة، البعض يرى أن النقص في المشروع والآخر يرى أن النقص في الأدوات، والبعض يحسب تأثير هذا العمل على خريطة علاقاته ومصالحه فيُقدم أو يُحجِم، ومع اختلاف التقديرات والاتجاهات والرؤى لم يكن ممكنا الوصول إلى ثمرة عملية مع أن الكل منسوب إلى التيار الإسلامي السياسي المضاد للانقلاب العسكري والمتضرر منه.

تخيلتُ للحظة أن لو كان لكل ممثل جهة على الطاولة أنصار وسلاح، فكانت صورة الساحة الشامية تسيطر على الخيال، فقررت طرح اقتراح أبي الفتح في التحالفات المؤقتة ذات الأهداف القريبة، وفي ذهني أن الضمان له هنا توازن الضعف بين هذه الأطراف لا توازن القوة كما هو في الشام، ولكن الاقتراح وجد معارضة في العموم، إذ كان تقدير الأكثرين أنه بالإمكان تأسيس ما هو أقوى وأدوم.

هذا وما زلنا في جلسة أولى، بينما الجلسات التالية هي التي تُطرح فيها الأسئلة القاتلة لكل تحالف مثل: نصيب التمثيل، لمن القيادة، نمط اتخاذ القرار، إلزامية القرار لمن لم يوافق عليه، صلاحيات ممثل كل فصيل في اتخاذ قرار داخل التحالف... إلخ!

والسؤال هنا: هل تستفيد حركات المقاومة في مصر من هذا، فإما توحدت وإما تحالفت مبكرا في ظل توازن الضعف قبل أن يحول "توازن القوة" بين اتحادها أو تحالفها؟!




[1] رواه مسلم.
[2] رواه خليفة بن خياط وابن سعد في الطبقات وابن أبي شيبة في المصنف والطبري بإسناد مسلسل بالأئمة الحفاظ.
[3] عبد الرزاق السنهوري، فقه الخلافة، تحقيق: د. توفيق الشاوي ود. نادية السنهوري، ط4 (القاهرة: مؤسسة الرسالة، 2000م) ص9، 10. (مقدمة الشاوي)
[4] السابق ص28. (مقدمة د. نادية)