الجمعة، أكتوبر 07، 2016

مكتبة الثائر المصري

"يصرون على أنها كرة قدم ويلتزمون بقوانينها، بينما اللعبة مصارعة حرة، وبالسيوف، وبلا قوانين".. كان هذا تعليقا من صديقي على موقف بعض المعارضين للانقلاب العسكري في مصر، فهم حريصون على مؤسسات الدولة وإن ذبحت الثورة، وحريصون على قوانين النظام وقواعده وإن كانت موضوعة خصيصا لسحق الثورة والثوار، ويتوهمون أن مجرد النضال الدستوري، قد يوصلهم إلى انتصار ثوري، يستلمون فيه دولة سليمة ذات مؤسسات متعافية، يستعملونها في إقامة محاكمات عادلة للانقلابيين.

الواقع أنه منذ الانقلاب العسكري، فإن الثورة دخلت لحظة "المواجهة" مع النظام العسكري في مصر، ومهما حاول فريق من الثوار دفع هذا الخطر، والتعامي عنه، فإن الطرف الآخر يستعلن به ولا يتردد فيه، وقد استمع الناس على الشاشات لعمرو أديب وهو يقول "انسوا إن انتو ترجعوا.. ده احنا نجيب عاليها واطيها"، واستمعوا لـ "خبير استراتيجي" يقول: "لو أوروبا ما لمِّتْش موضوع ريجيني ومشيوا في تهديد النظام، فسنرسل لهم طوفانا من المهاجرين غير الشرعيين"، ومثل هذا كثير.

وحيث صار الحال هكذا، فقد صار من الواجب على المخلص للثورة حقا، أن يستعين في ثورته بعدد من الخبرات، تلك الخبرات التي أدى غيابها إلى انتكاسات الثورة، ودُفِع ثمنها من الأرواح والأموال والدموع. يجب على مثقف الثورة المصرية، أن يركز جهوده في عدد من المجالات، وهي أولى في حق المتخصصين فيها، بحيث يقدم لصفوف الثوار خلاصات عملية تنضج الثورة، وترشدها، وتعصمها من الوقوع في أخطاء التجارب السابقة.

الثورة هي قلب دائرة التقاطع بين علم الاجتماع وعلم السياسة، ولا تكفي الأحلام الثورية والمثاليات الخيالية في توجيه حركة الثورة.

وأهم هذه المجالات برأيي أربعة:
(1) خصاص الشعب المصري
(2) علم الاجتماع السياسي
(3) تجارب المقاومة في التاريخ
(4) العلوم الأمنية والعسكرية.

وقولي بأن هذه هي أهم المجالات، إنما هو لكونها أصولا وأساسا، يستخرج منها جميع صف الثوار نتائج أساسية، وإرشادات عامة، تؤثر على قرارهم الاستراتيجي واختياراتهم المبدئية، ولكن بعض المجالات الأخرى لن يستطيع الإفادة فيها سوى المتخصصون مثل: علوم الإدارة (خصوصا: إدارة الأزمات) والاقتصاد (خصوصا: اقتصاد الأزمات) وعلم النفس (خصوصا علم النفس السياسي وعلم نفس الجماهير) وما إلى ذلك.

أولا: خصائص الشعب المصري

وذلك أن البيئة التي سيعمل فيها الثائر، بيئة مخصوصة، لها تميزات وانفرادات عن غيرها، فيلزم من ذلك فهم ما يميزها، وعلم طبائع البلدان علم قديم، كتب فيه المسلمون منذ القرن الثاني الهجري، ومن المعلوم أن الشعوب تتأثر وتتشكل بعدد من العوامل، منها الجغرافيا والبيئة والمناخ، والنشاط الاقتصادي الغالب عليها، وميراثها الثقافي والروحي وغيره، فلا يسع الثائر الذي يتحرك في هذه البيئة، ويلزمه أن تكون بالنسبة له حاضنة شعبية، إلا أن يفهم طبيعة الخطاب وطبيعة السلوك الذي يناسب هذه الحاضنة، ثم آثار هذا على طبيعة المعركة التي يخوضها مع النظام العسكري.

وقد كُتب في هذا الباب كثير من الكتب، أشهرها كتب المفكر الراحل جمال حمدان، وعلى رأسها "موسوعة شخصية مصر: دراسة في عبقرية المكان"، فهذا الكتاب يلقي مساحة ضوء باهرة على الطبيعة المصرية أرضا وشعبا ونظاما سياسيا، وله بخلاف هذا عدد من الكتب في ذات الموضوع، ومنها كتب جلال أمين، خصوصا كتابه "ماذا حدث للمصريين في نصف قرن"، وغيرها.. وكلما كانت الكتب حديثة كلما كانت أحسن وأكثر فائدة.

ثانيا: علم الاجتماع السياسي

ضرورته واضحة، فالثورة هي قلب دائرة التقاطع بين علم الاجتماع وعلم السياسة، وهي حركة تستهدف إزالة نظام وإقامة بديل له، ولا تكفي الأحلام الثورية والمثاليات الخيالية في توجيه حركة الثورة، بل لابد للثائر أن يقف من أصول هذا العلم على أرض صلبة، فسنن الكون غلابة ولا رادَّ لها، وليس من سبيل سوى استعمالها بعد فهمها.. والمكتبة الخاصة بهذا العلم وتجاربه كثيرة وغزيرة ومتطورة، ويصدر فيها كل يوم جديدا.

إن الدول الآن ليست إلا كيانات أمنية تدير ذراعا عسكريا، وكل ما سوى ذلك إنما هو بمثابة الأعضاء والجوارح بالنسبة إلى القلب.

ويندرج في هذا القسم كتب السياسة الشرعية، فهي -من وجهة نظر التقسيم النظري التعليمي- واقعة في هذه الدائرة أكثر بكثير من وقوعها في دائرة الفقه والأصول، وإن كانت تستمد منهما وتتكئ عليهما، ونحن قبل كل شيء وبعده مسلمون، وأصحاب تاريخ وحضارة، ومُلزَمون دينا وعقلا بالانطلاق من هويتنا وإحياء حضارتنا وتطبيق ديننا، ثم إن هضم وفهم السياسة الشرعية هو العاصم من التيه في بحر مدارس ونظريات الاجتماع السياسي في النظرية الغربية، سواء على مستوى التنظير، أو على مستوى السلوك والتطبيق.

ثالثا: تجارب المقاومة في التاريخ

وذلك أن الثورة ليست اختراعا جديدا، ولا يكاد يوجد فصل ثوري لم يكن له نظير في التاريخ، فالتاريخ مستودع التجارب والخبرات، ويكاد يكون تاريخ تجارب المقاومة مصداقا لقول بعضهم "كل ما يقال قد قيل"، وغني عن القول أننا لا نقصد التفاصيل، فتلك لا تتكرر بحال، إنما نقصد ما يُستفاد من تجارب المقاومة: إبداعاتها وابتكاراتها في طرائق المواجهة (وهي فائدة عملية)، وبسالتها وبطولاتها (وهي فائدة معنوية)، وأساليب العدو في إجهاضها (وهي فوائد عملية وسياسية).

ولذلك فإن مكتبة التجارب تشمل ثلاثة فروع:

(1) المذكرات الشخصية التي كتبها المقاومون أو كتبها الساسة، سواء منهم من نجح أو فشل.
(2) الكتابات التحليلية والتأريخية للثورات، وتجارب المقاومة وشخصياتها.
(3) الدراسات الأمنية والبحثية التي تستخلص أساليب الثورة وأساليب القضاء عليها. وهي أيضا مكتبة في غاية الغزارة والتنوع، ولكن كلما كان الكتاب في التاريخ الحديث والمعاصر، كلما كان أقرب فائدة.

رابعا: العلوم الأمنية والعسكرية

لا نبعد إذا قلنا إن الدول الآن ليست إلا كيانات أمنية تدير ذراعا عسكريا، وكل ما سوى ذلك إنما هو بمثابة الأعضاء والجوارح بالنسبة إلى القلب، وهذه العلوم هي الأكثر سرية في واقعنا المعاصر، وثمة مواد لا تدرس في عالمنا العربي إلا في الكليات الأمنية وحدها، رغم أن موضوعها مدني، كالتخطيط الاستراتيجي. وهذا المجال تمتلك فيه الأنظمة الحاكمة تفوقا كاسحا، وبفجوة علمية غير مسبوقة في التاريخ، وتتراكم في أروقتها ملفات دراسة الحالات عن التعامل مع الثورات وحركات المقاومة، وطرق اختراقها وحرف مسارها، وإسقاط زعمائها أو اغتيالهم أو استبدالهم بالعملاء... إلخ!

وهذه المكتبة فرعان: فرعٌ كتبته حركات المقاومة، بعد تجاربها في المواجهة والتحقيق والمطاردة والاغتيال، وفرعٌ كتبته الأنظمة ورجالها الأمنيون، في تجارب إخماد الثورات والقضاء على المقاومة، ولا ريب أن المنشور في هذا أكبر بكثير من غير المنشور.


هذا نداء للمثقفين والمتخصصين وأصحاب القلم، أن أنفقوا طاقتكم وجهودكم في إرشاد الثوار إلى هذه الكتب، بتبسيطها وتلخيصها واستخراج خلاصاتها العملية، لتنضج الثورة ولا تكرر تجارب سابقيها، فهذا العمل هو واجب الوقت، ولا نرى غيره أوجب منه الآن، وبإذن الله تعالى، سنحاول في هذه المساحة "مدونات الجزيرة" أن نقدم كل أسبوع خلاصة كتاب في واحد من هذه الفروع الأربعة، سائلين الله تعالى التوفيق والإعانة والقبول، ثم سائلين أهل الفكر والقلم أن يخوضوا هذا الباب بعطائهم ومجهودهم، والله الموفق والمستعان.