الأربعاء، يونيو 21، 2017

المنشاوي.. صوت السماء الخاشع البَكَّاء

أصعب المقالات قاطبة تلك التي تحاول أن تصف فيها شعورا ما، فالمشاعر لا توصف، ولهذا فلكم دار الشعراء والأدباء حول المعاني ولا يزالون ثم لا تزال المعاني تلهم مَن بعدهم أوصافا جديدا.. لذلك فإن الذي يُقدم على وصف مشاعره يدخل في منافسة هائلة مع أرباب البيان والبلاغة وحظه فيها من الفوز حظ ضئيل.

فكيف إذا أراد المرء أن يكتب عن صوت هز القلوب وحركها في طول عالم المسلمين وعرضه، سمعته الآذان من أقصى المشرق إلى أقصى المغرب، فتأثرت به واهتزت له وخشعت معه، صوت يتبارى في تقليده العرب والعجم، ولا تزال تقبل عليه القلوب والأسماع كأن صاحبه لم يمت منذ نحو نصف القرن، وقد جاء نصف القرن هذا بعدد هائل من مشاهير القراء تدفق علينا عبر الفضائيات والإذاعات وشبكة الانترنت.

محمد صديق المنشاوي..

توفي في مثل هذا اليوم (20 يونيو 1969م)، ولست أدري إن كان ثمة من تذكره أم لا في عالم الفضائيات والإذاعات، لكنه وإن لم يتذكره أحد فلا ريب أنه صوته كان يصدح في البيوت والمساجد والهواتف والمجالس والحلقات!

بغير انتقاص من أي قارئ، يظل الشيخ المنشاوي أوسع القراء قبولا فيما أعلم، إنه يقرأ القرآن كأن له فيه طريقة مختلفة وكأن فيه سرا مجهولا.. القرآن في صوت المنشاوي كأنه غضٌّ طريٌّ نَدِيٌّ، فيه تلك الروح التي تفوح من كل شيء حي، يشعر المرء أحيانا أن القرآن يتنزل عليه فلم تزل فيه رائحة السماء وأنفاس الملائكة!

ولست أدري كيف يمكن تقريب هذا المعنى، إن له في القرآن خشوعا عجيبا، صوته يميل إلى الحزن والبكاء، لكنه ليس حُزْنَ مُتَصَنِّعٍ ولا بكاءَ مُتَكَلِّف، إنه خشوع حزين يغمر القلب كالنهر العذب، فيرى المرء في القرآن جمالا لا يشعر به مع غيره.

وللرجل في تلاوة القرآن إحساس عالٍ في الوقف والابتداء، فهو يقرأ آية سورة غافر {اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ قَرَارًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَصَوَّرَكُمْ فَأَحْسَنَ صُوَرَكُمْ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَتَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (64) هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ}.. فإذا به يواصل القراءة بعد {رب العالمين} ويقف عند قوله {هو الحي}، فيظهر للآية معنى جديد: أن الله الذي أنعم علينا بكل هذه النعم، ورزقنا كل هذا الرزق حي لا يموت.. فتسري في النفس طمأنينة قريرة، لا يملك المرء نفسه إلا وهو يقول: الله الله الله!

وفي أول تلك القراءة من سورة غافر بدأ الشيخ تلاوته من قول الرجل الصالح من قوم فرعون {يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ...}، فكانت هذه البداية التي أطال فيها وكررها من خير ما ينزع السامع من حياته الدنيا لينتبه لهذا القرآن الذي سيأتيه بما هو أهم من الدنيا، فيحسن استقباله له، فيسمع بعدها قول الله تعالى:

{يَاقَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ (39) مَنْ عَمِلَ سَيِّئَةً فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَمَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ (40) وَيَاقَوْمِ مَا لِي أَدْعُوكُمْ إِلَى النَّجَاةِ وَتَدْعُونَنِي إِلَى النَّارِ (41) تَدْعُونَنِي لِأَكْفُرَ بِاللَّهِ وَأُشْرِكَ بِهِ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ (42) لَا جَرَمَ أَنَّمَا تَدْعُونَنِي إِلَيْهِ لَيْسَ لَهُ دَعْوَةٌ فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ مَرَدَّنَا إِلَى اللَّهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (43) فَسَتَذْكُرُونَ مَا أَقُولُ لَكُمْ وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (44) فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ (45) النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ (46) وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ فَيَقُولُ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ (47) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُلٌّ فِيهَا إِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ بَيْنَ الْعِبَادِ (48) وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْمًا مِنَ الْعَذَابِ (49) قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ (50) إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ (51) يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}.

لست أحسب أن السامع المنصت قد يتلقى هذه المعاني العالية بذات الاستعداد لو كانت البداية بغير هذه المفاجأة (ياقوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع).

ولست أطيل في ذكر الشواهد، فإخواننا من الحفظة والمتقنين يعرفون منها الكثير والكثير.. إنما المقصود هو لفت النظر إلى أن هذا الرجل كان يقرأ بقلبه، فيعرف كيف يصوغ المعاني بصوته، فتأخذ طريقها إلى القلوب، ثم تأخذ الدموع طريقها إلى العيون.

وبقدر ما استطاع كثيرون جدا أن يجتهدوا في تقليد صوته من الأطفال والكبار، من العرب والعجم، كما تشهد مقاطع المسابقات القرآنية، بقدر ما عجز أحد أن يبلغ في الإتقان والأثر مبلغه، إن الأمر ليس مجرد الصوت والنغم وإتقان مخارج الحروف وحركات المدّ، صلب الأمر أعمق من هذا.. إن في تلاوة المنشاوي روحا موصولة بالسماء تجعل الآية حية نابضة!

ساقني اليوتيوب قبل أيام إلى واحدة من تلك المسابقات القرآنية على قناة إيرانية، فكرة المسابقة أن يُختار مقطع لقارئ ثم يجتهد المتسابقون لتقليده، وأحسب أن مثل هذا المقطع خير ما يمكن أن أضرب به المثل على ما أقول.

أول ما انتبهت لصوت المنشاوي حين كنت طفلا، كان يصدح صوته من مئذنة المسجد الكبير في قريتنا التي كنت أزورها صيفا، وكانت عادة القرية أن يسبق المؤذن وقت الصلاة بإذاعة شيء من القرآن، فكنت أنتظر هذه اللحظات وأتشوق إليها وأتمنى لو كان المنشاوي –دون غيره- قبل كل صلاة. ومهما كانت رغبة الطفل في اللعب واللهو كان صوت المنشاوي يغلبها فتتوقف لتسمع وتتأمل وتستمع!

بصوت المنشاوي صرت أتشوق لأعرف كيف كان صوت عبد الله بن مسعود الذي قال فيه النبي (من سرَّه أن يسمع القرآن غضا طريا كما نزل فليسمعه من ابن أم عبد)، وكيف كان صوت أسيد بن حضير الذي نزلت الملائكة لتسمعه حتى هاجت فرسه، وكيف كان صوت أبي موسى الأشعري الذي أحب النبي أن يسمع القرآن منه!

ثم كيف هو صوت رسول الله؟!

كيف كان صوت صاحب القرآن الذي نزل عليه القرآن فكان أول من سمعه من جبريل وأول من تلاه في دنيا الناس؟!.. وكيف كان الصحابة يستمعون إليه منه صلى الله عليه وسلم؟!

ثم كيف سيكون نعيم أهل الجنة الذين ورد في نعيمهم أنهم سيسمعون القرآن من الله تبارك وتعالى بنفسه؟!!

يا الله!!! كيف يُمكن تصور هذا النعيم؟ وكيف يمكن أن يغمر المرء مثل هذا الجمال؟! وأي بحار أنوار وأمواج نِعَم وفيضان متعة ستجتمع في تلك اللحظة؟!


اللهم ارحم عبدك محمد صديق المنشاوي، ولا تحرمنا لذة قراءة كتابك وفهمه والعمل بما فيه، ولا تحرمنا نعيم الجنة وما فيها من متعة سماع كتابك منك يا ودود يا كريم يا رحيم.