الخميس، يوليو 23، 2015

مراحل بناء المسلم (4) التكليفات المتكاملة

اقرأ أولا:


إن الإسلام دين واقعي يعالج أمر البشر، وأولئك البشر من طبعهم النقص، فهم يزلون ويخطئون ويتعثرون وتصدر عنهم الذنوب والمعاصي، تغلبهم أنفسهم وشهواتها أو يستزلهم الشيطان أو يقعون في حبائل ذوي المكر.. وهكذا، فلا إنسان بلغ الكمال سوى الأنبياء والمرسلين، فهم وحدهم أهل العصمة، وقد دُفِنت العصمة مع خاتم الأنبياء r، فكل الناس يجري عليهم الخطأ ويقع منهم الزلل.

وقد تدارك الإسلام أخطاء المسلمين بما يمكن أن نسميه "التكليفات المتكاملة"؛ وذلك بكونه يدرأ خطأ الفرد بتيقظ الآخرين، فلا يقع فساد أو فتنة من حيث يخطئ الواحد فقط؛ بل يجد الواحد مَنْ يُصَوِّبه ويستدرك زلته، فإن وقع الفساد أو الفتنة فليُعلم أن الخطأ قد عَمَّ جمعًا ولم يكن من طرف واحد.

ويمكن أن نضرب لهذه "التكليفات المتكاملة" بعض الأمثلة؛ منها:

(1)
الكذب والتبيُّن

فالإسلام يأمر المسلم بالصدق وينهاه عن الكذب، قال r: "إن الصدق يهدي إلى البرّ، وإن البرّ يهدي إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكون صديقا. وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب حتى يكتب عند الله كذابا"([1]). ونبه إلى أن الكذب من علامات النفاق كما قال r: "آية المنافق ثلاث: إذا حدَّث كذب..."([2]). وتوعد الله الكاذبين ألا يحقق لهم أطماعهم كما في الحديث: "من ادَّعى دعوى كاذبة ليتكثَّر بها لم يزده الله إلا قِلَّة، ومن حلف على يمين صَبْر([3]) فاجرة"([4]). وكان قول الزور هو ثالث أكبر الكبائر في الإسلام بعد الإشراك بالله وعقوق الوالدين([5])، وهذه النصوص لمجرد ضرب المثال بحسب ما يسمح به المقام.

ومع هذا الأمر بالصدق والنهي عن الكذب، أمر الإسلام أن يتوثق المسلم مما يسمع فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ} [الحجرات: 6]،  بل إن النبي وصف من لا يتثبت بالكذب فقال r: "بِحَسْبِ المرء من الكذب أن يُحَدِّث بكل ما سَمِع"([6]).

فلئن أخطأ أو كذب الواحد فالآخر مكلف بالتبين والتثبت، وبهذا تتكامل التكاليف!

(2)
التعفف والإنفاق

إن الإسلام يأمر أتباعه بالتعفف والقناعة، ويثني على من لا يسأل الناس وإن كان محتاجًا: {لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا} [البقرة: 273]، وأثنى الله على الصابرين في وقت الحاجة: {وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ} [البقرة: 177]، وسمى رسول الله آخذي المال بـ"اليد السفلى" وقال r: "اليد العُلْيا خير من اليد السُّفلى، وابدأ بمن تعول، وخير الصدقة عن ظهر غنى، ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن بالله يُغْنِه الله"([7]). بل وتكفل النبي بالجنة لمن لم يسأل الناس شيئًا، قال r: "من تكفَّل لي أن لا يسأل الناس شيئا وأتكفل له بالجنة"([8]).

وفي الوقت ذاته فإن الإسلام يحث على الإنفاق: {آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [الحديد: 7]، سرًّا وعلنًا: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ سِرًّا وَعَلَانِيَةً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} [البقرة: 274]، وفي حال السراء والضراء: {الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ} [آل عمران: 134]، وقد عَظَّم الله الأجر للمنفقين: {فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ} [الحديد: 7] وضاعفه أضعافًا مضاعفة: {مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ} [البقرة: 261]؛ بل وصف الله الإنفاق وصفًا يهز أعماق المسلمين هزًّا عنيفًا، وصفه بأنه إقراض لله: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً} [البقرة: 245].

(3)
الاحتشام وغض البصر

فلقد أمر الله النساء بالعفاف والاحتشام: {وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ} [النور: 31]، وأمر الرجال -في الوقت ذاته- بغض البصر: {قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ} [النور: 30].

(4)
أدب المجالس

فلقد أمر الله القادمين إلى المجلس بالجلوس حيث ينتهي المجلس، قال رسول الله r: "إذا انتهى أحدكم إلى المجلس، فإن وُسِّع له فليجلس، وإلا فلينظر إلى أوسع مكان يَرَى، فليجلس"([9]). وكان r إذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس([10]).

ومع ذلك أمر الله القاعدين بأن يتفسحوا في المجالس: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قِيلَ لَكُمْ تَفَسَّحُوا فِي الْمَجَالِسِ فَافْسَحُوا يَفْسَحِ اللَّهُ لَكُمْ} [المجادلة: 11]، وفي حديث واحد نرى النبي r ينهى "أن يُقَامَ الرجل من مجلسه ويجلس فيه آخر، ولكن تَفَسَّحُوا وَتَوَسَّعُوا"([11]).

ويمكن أن نذكر الكثير من الأمثلة؛ مثل: كف الأذى ومقابله الأمر بكظم الغيظ والعفو والإحسان، والتواضع في مقابل إنزال الناس منازلهم، وإكرام الضيف في مقابل الاستجابة والرجوع إذا لم يسمح صاحب البيت، وسلامة الصدر وحسن الطوية في مقابل اليقظة والانتباه للخديعة، وأمور أخرى يعرفها عوام المسلمين.

وهكذا لا يقع الفساد في بلاد المسلمين بخطأ الواحد فإن ذلك أحرى أن يستوعبه الآخرون، وإنما يقع الفساد بخطأ في الجهتين، فلو أن الكاذب يكذب وغيره يتحرى الصدق ويهتم بالتبين لما جرى سوء، ولكن يجري السوء حين يجد الكذب من يصدقه بغير تبين. ويجري السوء حين يطلق أحدهم بصره وتكون المرأة غير محتشمة، أما لو كانت محتشمة بين قوم يطلقون أبصارهم أو كانت غير محتشمة بين قوم يغضون أبصارهم لما جرى سوء.. وهكذا!

نشر في ساسة بوست



([1]) البخاري (5743)، ومسلم (2607).
([2]) البخاري (33)، ومسلم (58).
([3]) يمين الصبر: هي التي ألزم بها الحالف كما في القضاء أو لدى الحاكم.
([4]) مسلم (110).
([5]) البخاري (2511)، ومسلم (87).
([6]) مسلم (5).
([7]) البخاري (1361)، ومسلم (1033).
([8]) أحمد (22428)، وقال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح، وأبو داود (1643)، وصححه الألباني.
([9]) الطبراني في المعجم الكبير (7213)، وقال الهيثمي: رواه الطبراني وإسناده حسن. (مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 8/59)، وصحيح الجامع الصغير (399).
([10]) الألباني: مختصر الشمائل النبوية للترمذي ص23.
([11]) البخاري (5915)، ومسلم (2177).