الخميس، أكتوبر 13، 2016

أحمد ياسين شاهد على عصر الانتفاضة (1)

هذا هو الكتاب الأول من سلسلة "مكتبة الثائر المصري" التي نقدمها عبر مساحة "مدونات الجزيرة"، ونسأل الله التوفيق والإعانة.

يقع هذا الكتاب ضمن المجال الثالث: تجارب المقاومة في التاريخ، وهي من أهم التجارب المعاصرة، بل يمكن القول بأن تجربة حركة حماس هي أنضج تجربة لحركة إسلامية في التاريخ المعاصر، حصل فيها الموازنة بين السياسة والمقاومة، وبين البسالة العسكرية مع النضج والاعتدال الفكري، وبين التربية الانضباطية مع الإبداع والابتكار.

ومؤسسها الشيخ أحمد ياسين هو علامة فارقة في تاريخ المسلمين المعاصر، وهو أسطورة تُروى في التاريخ النضالي الإنساني كله، فهو رجل قعيد مصاب بعدد من الأمراض، وُلِد في زمن هزيمة ساحقة، أسس لحركة مقاومة في بيئة كلها معيقات، أرض مكشوفة جغرافيا بلا عمق دفاعي وبلا داعم إقليمي أو دولي ومحاصرة من القريب أشد من حصارها من قبل العدو، بإمكانيات معدومة، وتحت سلطة محلية عميلة.. ظروف يستحيل فيها تأسيس حركة مقاومة، لكنه فعلها، بل ونجح نجاحا باهرا، وصارت حركته التي أسسها صفحة باهرة في تاريخ حركات المقاومة.

وأصل هذا الكتاب مجموعة من الحلقات التي سجلها الشيخ مع الإعلامي أحمد منصور ضمن برنامج "شاهد على العصر" وبُثَّ على قناة الجزيرة عام 1999م. ونحن إذ نقدم خلاصات من الكتاب فإنه ينبغي قراءتها بعناية شديدة، ثم ينبغي لمن أراد التوسع العودة للكتاب نفسه لتحصيل فهم أعمق وأقوى للتجربة.

خلاصات الكتاب

1. سقطت فلسطين لأن الجيوش العربية سحبت سلاح الشعب الفلسطيني ثم انسحبت أمام إسرائيل، ولو كان بيدنا السلاح لما سقطت فلسطين ولا التزمنا بقرارات وقف إطلاق نار، لكن الشعب الأعزل كان يضطر إلى النزوح حين يسمع بأنباء المذابح التي تجري في القرى المجاورة.

2. كانت الجيوش العربية تهدر ما يحققه المجاهدون المتطوعون من إنجازات وتنسحب من المواقع رغم قدرتها على القتال.

3. كان من شروط إيقاف العدوان الثلاثي أن يصير قطاع غزة تحت إشراف دولي، لكن أهل غزة تمسكوا أن يكونوا تحت الإدارة المصرية.

4. سهولة الانتصار في حرب 1956 فتحت شهية إسرائيل لتكرار التجربة في 1967.

5. اعتقلتُ لأول مرة في ديسمبر 1965، في سجن غزة المركزي وكان تحت إشراف مصري، وكان مسؤول المخابرات فلسطيني، بتهمة الإخلال بالأمن! وبلا مرافق، وكنت أحتاج نصف ساعة لتهيئة فراشي لنفسي لأنام! واستمر لمدة شهر.

6. في عصر عبد الناصر لم يكن طلاب الجامعة في مصر يعرفون أين غزة ولا أوضاعها رغم أنها تحت الإدارة المصرية، وكان منهج الجغرافيا يضع "إسرائيل" كجزء من بلاد الشام.

7. خطب عبد الناصر 1965 في أعضاء المجلس التشريعي الفلسطيني –في مصر- وقال لهم "اللي بيقول لكم عنده مخطط لتحرير فلسطين بيكذب عليكم، ولو قلت لكم عندي مخطط باكذب عليكم". وكان الجنود المصريون الذاهبون إلى غزة لا يعرفون عنها شيئا ولا يعرفون حتى أين يذهبون ولا لديهم فكرة عن الحدود أو مواقع اليهود، وكان الضباط يتربحون من التجارة في غزة التي كانت منطقة حرة.

8. ضُرِب الطيران المصري عام 1967 كأنه حظيرة دجاج، ومن المذهل أن تباد الإمكانيات الهائلة لمصر، خصوصا مع البسالة التي كان يبديها الجنود البسطاء، لقد كنا نجد اثنين من الجنود يواجهون الدبابات والطائرات ولا يستسلمون!

9. كان يوم 5 يونيو مأساويا في غزة، كان الناس يتابعون الإذاعتين: الإسرائيلية والمصرية، يرون منشورات إسرائيل التي تدعو إلى التسليم ويرون ضرب الطائرات الإسرائيلية لدفاعات الجيش المصري، ثم يسمعون أكاذيب أحمد سعيد فيتضاعف حزنهم، كان الناس يومها كأنهم سكارى!

10. كانت الحركة الإسلامية ضعيفة في غزة لشدة وطأة السلطة المصرية التي كانت تحارب الكتاب الإسلامي، والاعتقالات والإعدامات، فما بالك بالسلاح؟! فكانت هناك رغبة في المقاومة ولكن ينقصها السلاح، وهذا ما أخَّر الحركة الإسلامية عن المقاومة، فاتخذنا قرارا بأن من شاء من الشباب الانضمام إلى الفصائل الأخرى فعل.

11. يتعامل اليهود مع الناس بالحرب النفسية، فمن ذلك أنهم لما وصلوا إلى مخيم الشاطئ جمعوا الناس وقالوا لهم: سلموا الأسلحة وإلا فمن سنجد في بيته سلاحا سنهدم البيت، وبالفعل هدموا بيتا أو بيتين فصار الناس يسلمون أسلحتهم.

12. يتعامل اليهود مع الشعب فرادى فرادى لتسهل السيطرة عليهم، لما احتلوا غزة جعلوا لكل منطقة ضابط مخابرات بيده إعطاء تصاريح لأي شيء، ومن خلال حاجة الناس للسفر أو العمل أو غيره يبدأ في مساومتهم ليكونوا عملاء، ونحن استطعنا أن نفرض على اليهود التعامل بشكل جماعي خصوصا في السجون لكن هذا كان صعبا في الشارع العام.

13. لو كان لدينا تنظيم في ذلك الوقت كنا استطعنا إدارة إضراب كامل عن العمل وأسقطنا الاحتلال، لكن هذا كان مستحيلا في ظل القبضة الأمنية المصرية، فبدأ الناس تحت ضغط الحاجة بالعودة إلى العمل، وأنا في البداية رفضت العودة للعمل كمدرس لكي لا أخدم اليهود، ثم فكَّرت في أني بهذا أخدمهم وأخرب الجيل الجديد، والواجب أن نعلم هذا الجيل ونحافظ عليه ولا نتركه فريسة للجهل.

14. رحَّل اليهود عددا من الشخصيات الإسلامية إلى مصر والأردن ولبنان ليمنعوا تكوين وعي أو مقاومة، وكنت من القلائل الذين بقوا وبدأت في تكوين تنظيم وعمل يدعم صمود الشعب ويساعد الأسر التي ليس لها عائل.

15. رفضت الانضمام لحركة فتح لأنها اعتمدت نهج مقاومة إسرائيل انطلاقا من الدول العربية، وهذه الدول أضعف من أن تواجه إسرائيل أو تحمي المقاومة، بل إن مصر اعتقلت من نفذوا عملية مقاومة في قطاع غزة عام 1965، والأردن ضربت المخيمات الفلسطينية 1970 وسوريا ضربت مخيم نهر البارد في لبنان، لهذا لم يكن العمل المقاوم ممكنا إلا من داخل الأرض المحتلة.

16. استطاعت إسرائيل إجهاض بذرة المقاومة التي أخذت في التكون حتى أنهتها 1972 – 1973، وذلك من خلال وحشية الإجراءات التي كانت تبلغ إزالة وهدم شوارع بكاملها، وكذلك لضعف الخبرة الأمنية للمقاومة وسهولة انكشافها.

17. استغرق إنشاء التنظيم منا خمسة عشر عاما حتى وصلنا إلى لحظة امتلاك وشراء السلاح (1967 – 1982م)، بدأنا بعشر أشخاص وبعدها بعام صار العدد شخصين فقط، وعند ذلك الوقت كان العداء القديم للإخوان قد زال وصار رواسب لدى الجيل القديم، وطبعت الجزء الثلاثين من تفسير سيد قطب ووزعته مجانا فبدأ إقبال الناس عليه، وأسسنا "الجمعية الإسلامية" كتجمع للشباب وكغطاء لأنشطتنا، واستعنا بشيخ كان من الإخوان قديما لكنه صار من الموافقين على كامب ديفيد لكي يتوسط لنا للحصول على التصريح من السلطة الإسرائيلية.

18. عند سماعي لخبر حرب أكتوبر دعوت الله أن تكون "حرب تحرير لا حرب استجداء السلام"، لكن للأسف هذا ما كان، فكُسِر الحصار حول إسرائيل وخرجت مصر من المعركة، لكن الحرب نفسها أشعلت الأمل والنفسية العربية وأثبتت أن النصر ممكن وأن الهزيمة ليست قدرا.


إلى هنا انتهت المساحة المخصصة، ونواصل في المقال القادم إن شاء الله تعالى.